بعد عقود من البحث، يظهر اكتشاف طبي جديد قد يغير فهمنا لـ”العقم مجهول السبب” لدى النساء. نشرت دراسة حديثة في المجلة الدولية لأمراض النساء والتوليد في ديسمبر 2025، نتائج واعدة تشير إلى أن بعض حالات العقم قد لا تكون مجهولة حقًا، بل مرتبطة بمشاكل تشريحية وظيفية بسيطة يمكن معالجتها جراحيًا. وقد أظهرت الدراسة نسب نجاح ملحوظة في الحمل بعد تطبيق تقنية جديدة.

في مقابلة حصرية، تحدث البروفسور موسى الكردي، الطبيب والباحث البريطاني من أصل سوري، عن هذه التقنية الجراحية الجديدة وأهميتها في إعادة تقييم حالات العقم التي لم يجد الطب لها تفسيرًا واضحًا حتى الآن. وأكد الكردي على ضرورة العودة إلى الأساسيات التشريحية والوظيفية قبل اللجوء إلى تقنيات الإخصاب المساعد الأكثر تعقيدًا.

فهم أعمق لـ “العقم مجهول السبب”

يشير مصطلح “العقم مجهول السبب” إلى الحالات التي لا يمكن فيها تحديد سبب واضح لعدم القدرة على الحمل، على الرغم من إجراء الفحوصات الروتينية. تُعد هذه الحالات تحديًا كبيرًا للأطباء والمرضى على حد سواء، وغالبًا ما تتطلب تدخلات مكلفة ومعقدة مثل التلقيح الاصطناعي أو أطفال الأنابيب. لكن الدراسة الجديدة تقدم منظورًا مختلفًا.

يوضح البروفسور الكردي أن الدراسة ركزت على تحليل دقيق للعلاقة المكانية بين الأعضاء التناسلية الأنثوية، ولا سيما قناة فالوب والمبيض. وتبين أن بعض النساء يعانين من وضع غير مثالي لقناة فالوب، مما يعيق قدرتها على التقاط البويضة بعد الإباضة، حتى لو كانت الأنابيب سليمة من الناحية الشكلية وفقًا للفحوصات التقليدية.

المنهجية والنتائج

شملت الدراسة 372 امرأة من 23 دولة، تم تقييمهن سريريًا وتشريحيًا بشكل شامل. تم تطبيق التقنية الجراحية الجديدة على مجموعة من النساء، وتم تتبع حالاتهن ومقارنتها بمجموعة أخرى تلقت العلاج التقليدي. أظهرت النتائج نسب حمل ملحوظة، حيث بلغت 87% لدى السيدات السليمات، و 56% لدى من يعانين من مشاكل مثل الألياف الرحمية أو بطانة الرحم المهاجرة أو التصاقات الحوض.

تعتبر هذه النسب أعلى بكثير من نسب النجاح التي يتم تحقيقها في كثير من الأحيان من خلال محاولات الإخصاب المساعد المتكررة، خاصةً لدى النساء فوق سن الأربعين أو اللاتي لديهن تاريخ طويل من الفشل في الحمل. وتشير إلى أن التقنية الجديدة قد تكون خيارًا فعالًا وآمنًا للعديد من النساء اللاتي يعانين من العقم غير المفسر.

تقنية التموضع الجراحي: كيف تعمل؟

تعتمد التقنية الجديدة على إجراء تعديلات جراحية دقيقة لإعادة تموضع الرحم وقناتي فالوب والمبيضين. يهدف هذا الإجراء إلى تحسين العلاقة المكانية بين هذه الأعضاء، وضمان أن تكون قناة فالوب في وضع يسمح لها بالتقاط البويضة بسهولة بعد الإباضة. ويتم تنفيذ هذا الإجراء باستخدام تقنيات جراحية طفيفة التوغل، مما يقلل من خطر المضاعفات ويسرع عملية التعافي.

ويؤكد البروفسور الكردي أن هذه التقنية تستند إلى مبادئ تشريحية كلاسيكية، ولكنها تُطبَّق الآن بشكل منهجي ومنظم، مع تتبع النتائج على المدى الطويل. ويضيف أن الفريق البحثي حرص على تطبيق معايير علمية صارمة لضمان دقة النتائج وموثوقيتها.

مستقبل علاج العقم

لا تهدف هذه التقنية إلى استبدال الإخصاب المساعد، بل إلى إضافته كخيار علاجي فعال، خاصةً في الحالات التي لم تستجب للعلاجات التقليدية. ويرى البروفسور الكردي أن هذه التقنية قد تساعد في تقليل الاعتماد على الإخصاب المساعد، وتوفير تكاليفه العالية، وتخفيف العبء النفسي على المرضى.

ويشير إلى أن هذه الدراسة تمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق لأسباب العقم، وتطوير علاجات أكثر فعالية. ويؤكد على أهمية التعاون العلمي بين الباحثين والأطباء من مختلف أنحاء العالم لتبادل الخبرات والمعرفة، وتحسين الرعاية الصحية للمرضى.

من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث لتقييم فعالية هذه التقنية على نطاق أوسع، وتحديد الفئات الأكثر استفادة منها. كما سيتم العمل على تطوير بروتوكولات علاجية موحدة لضمان تطبيق التقنية بشكل صحيح وآمن. وسيكون من المهم متابعة نتائج هذه الدراسات وتقييمها بشكل دوري لتحديد أفضل الممارسات في علاج العقم.

شاركها.