ازداد الاهتمام بـ الضحك كعامل صحي رئيسي في العقود الأخيرة، حيث كشفت الدراسات عن فوائد جمة تتجاوز الشعور بالراحة النفسية. يُعتبر الضحك الآن آلية بيولوجية ونفسية معقدة قادرة على تقليل التوتر، وتعزيز جهاز المناعة، وتحسين الصحة العامة، وهو ما دفع العلماء لإطلاق حقل دراسي متخصص يُعرف بـ “علم الضحك”.
بدأت الأبحاث الجادة في هذا المجال في ستينيات القرن الماضي، وتزايدت مع اكتشاف عالم النفس ويليام فراي في جامعة ستانفورد أن مشاهدة الأفلام الكوميدية وزيادة الضحك تؤدي إلى زيادة عدد خلايا الدم التي تعزز المناعة. لاحقاً، قام الدكتور مادان كاتاريا بتأسيس أول نادٍ يومي للضحك في مومباي عام 1995، بهدف مساعدة الناس على إدارة التوتر من خلال الضحك.
تأثير الضحك على الصحة: فوائد تتجاوز المزاج الجيد
لا يقتصر تأثير الضحك على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليشمل صحة القلب والأوعية الدموية، وفقاً للدكتور مايكل ميلر، طبيب القلب وأستاذ الطب في جامعة بنسلفانيا.
يؤكد الدكتور ميلر على أهمية دمج الضحك في نمط الحياة الصحي، قائلاً إنه يوصي مرضاه بممارسة الرياضة بانتظام مع الحرص على الضحك من القلب مرتين إلى خمس مرات في الأسبوع على الأقل. وقد أظهرت دراساته أن الضحك يحفز إفراز هرمون الإندورفين في الدماغ، وهو ما يعزز إفراز مواد كيميائية مفيدة للأوعية الدموية.
من بين هذه المواد، أكسيد النيتريك الذي يساهم في توسيع الأوعية الدموية، وبالتالي خفض ضغط الدم والالتهابات ومستويات الكوليسترول. هذا التأثير يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية. بالإضافة إلى ذلك، يعمل الإندورفين كمسكن طبيعي للألم، مما يوفر راحة إضافية.
الضحك الاصطناعي: بديل فعال للضحك التلقائي
تشير الأبحاث الحديثة، بما في ذلك تحليل تجميعي لـ 45 دراسة أجرتها جيني روزندال بجامعة يينا في ألمانيا، إلى أن العلاجات التي تحفز الضحك يمكن أن تكون مفيدة بشكل خاص لكبار السن والأشخاص الذين يعانون من حالات صحية مزمنة. وقد أظهرت هذه الدراسات أن الضحك يساعد في خفض مستويات السكر في الدم، وهرمون الكورتيزول (هرمون التوتر)، والألم المزمن، وتحسين الحركة والمزاج العام.
من المثير للاهتمام أن الضحك المُفتعل أو “الضحك المصطنع” قد يكون له تأثير أكبر من الضحك التلقائي، خاصة بالنسبة للأفراد الذين يعانون من الاكتئاب أو مرض السرطان أو غيرهم من الحالات التي قد تقلل من رغبتهم في الضحك بشكل طبيعي. وهذا يشير إلى أن الضحك يمكن أن يكون أداة علاجية فعالة حتى في غياب الشعور بالبهجة الأصلي.
قد يكون الصحة النفسية و العلاج من المجالات التي يشهد فيها الضحك تطورات ملحوظة.
هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتحديد الجرعة المثالية من الضحك لتحقيق أقصى قدر من الفوائد الصحية، وكذلك لاستكشاف الآليات الدقيقة التي يعمل من خلالها الضحك على التأثير في الجسم. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الدراسات حول دور الضحك في الوقاية من الأمراض وعلاجها، مما قد يؤدي إلى تطوير تدخلات علاجية جديدة تعتمد على الضحك.
