منذ عقود، اعتمد الأطباء على قياسات الكوليسترول لتقييم خطر الإصابة بأمراض القلب. إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن مؤشرًا حيويًا آخر، وهو بروتين سي التفاعلي، قد يكون أكثر دقة في التنبؤ بهذه الأمراض. وقد دفعت هذه الاكتشافات الكلية الأمريكية لأمراض القلب إلى إصدار توصيات جديدة بإجراء فحوصات منتظمة لمستويات هذا البروتين، بالإضافة إلى قياس الكوليسترول التقليدي.
تأتي هذه التوصيات في أعقاب دراسات عديدة أظهرت أن الالتهاب المزمن، والذي يكشف عنه بروتين سي التفاعلي، يلعب دورًا محوريًا في تطور أمراض القلب والأوعية الدموية. ويعني هذا التحول في الفهم نهجًا جديدًا محتملاً في الوقاية من هذه الأمراض وعلاجها.
ما هو بروتين سي التفاعلي وكيف يعمل؟
يُنتج الكبد بشكل طبيعي بروتين سي التفاعلي استجابةً لمجموعة متنوعة من المحفزات، بما في ذلك العدوى والإصابات والالتهابات المزمنة. تُعتبر مستويات هذا البروتين مؤشرًا على نشاط الجهاز المناعي ووجود التهاب خفي في الجسم.
يمكن قياس مستوى بروتين سي التفاعلي بسهولة من خلال تحليل دم بسيط. تشير القراءات المنخفضة، أقل من 1 ملغ/لتر، عمومًا إلى وجود التهاب طفيف أو معدوم. في المقابل، تشير القراءات التي تتجاوز 3 ملغ/لتر إلى مستويات أعلى من الالتهاب، وبالتالي زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.
الالتهاب كعامل رئيسي في أمراض القلب
الالتهاب ليس مجرد رد فعل على المرض؛ بل هو عملية معقدة تساهم بشكل كبير في تطور تصلب الشرايين. تبدأ هذه العملية عندما تتراكم جزيئات الكوليسترول في جدران الشرايين، وتشكل ما يعرف باللويحات. تتفاقم هذه اللويحات بسبب الالتهاب.
عندما يتضرر أحد الأوعية الدموية، تتجه الخلايا المناعية إلى المنطقة المتضررة لابتلاع الكوليسترول. هذه العملية، إذا استمرت لفترة طويلة، تؤدي إلى تكوين لويحات دهنية يمكن أن تعيق تدفق الدم وتزيد من خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية. الكوليسترول هو جزء من القصة، لكن الاستجابة المناعية والالتهاب هما اللذان يقودان العملية.
تأثير النظام الغذائي على مستويات بروتين سي التفاعلي
يُمكن لنمط الحياة والنظام الغذائي أن يؤثر بشكل كبير على مستويات بروتين سي التفاعلي في الجسم. تشير الدراسات إلى أن بعض الأطعمة يمكن أن تساعد في تقليل الالتهاب وخفض مستويات هذا البروتين.
يُوصى بتضمين الأطعمة الغنية بالألياف الغذائية، مثل البقوليات والخضروات والفواكه والمكسرات والبذور، في النظام الغذائي. بالإضافة إلى ذلك، يُعتقد أن التوت وزيت الزيتون والشاي الأخضر وبذور الشيا وبذور الكتان تساهم في خفض مستويات بروتين سي التفاعلي. كما أن فقدان الوزن وممارسة النشاط البدني بانتظام لهما تأثير إيجابي على مستويات الالتهاب.
هل فقد الكوليسترول أهميته؟
على الرغم من أهمية بروتين سي التفاعلي كمؤشر جديد، إلا أن الكوليسترول لا يزال يلعب دورًا هامًا في تقييم خطر الإصابة بأمراض القلب. ومع ذلك، فإن التركيز ينصب الآن على جودة الكوليسترول، وليس الكمية الإجمالية فقط.
فحص البروتين الدهني B، الذي يقيس عدد جزيئات الكوليسترول الضار (LDL)، يُعدّ أكثر دقة من قياس مستويات الكوليسترول الإجمالية. يرجع ذلك إلى أن الجسيمات الصغيرة والكثيفة من الكوليسترول الضار أكثر ضرراً من الجسيمات الكبيرة والمنفصلة. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر البروتين الدهني (A) مؤشرا وراثيا يمكن أن يساعد في التنبؤ بشكل أفضل بخطر الإصابة بأمراض القلب، نظراً لأنه يزيد من التصاق الكوليسترول بجدران الشرايين.
تتداخل عوامل نمط الحياة مع مستويات الكوليسترول والبروتين الدهني B، حيث تساعد الألياف والمكسرات وأحماض أوميغا 3 الدهنية على خفض الأرقام بينما يمكن أن يؤدي الإفراط في تناول السكر إلى زيادتها. على النقيض من ذلك، تبقى مستويات البروتين الدهني A ثابتة نسبيا طوال الحياة ولا تتأثر بتغييرات نمط الحياة.
مع استمرار البحث في العلاقة بين الالتهاب وأمراض القلب، من المتوقع أن تصبح فحوصات بروتين سي التفاعلي، بالإضافة إلى البروتين الدهني B والدهني (A)، جزءًا روتينيًا من تقييم المخاطر القلبية الوعائية. ستساعد هذه المؤشرات الجديدة الأطباء في تحديد الأفراد الأكثر عرضة للخطر وتصميم استراتيجيات وقائية وعلاجية أكثر فعالية. يبقى تحديد أفضل طرق لتفسير هذه البيانات ودمجها في الممارسة السريرية هو التحدي التالي.
