يشهد مجال الروبوتات تطورات متسارعة، لكن أحدث الآراء الصادرة عن رواد هذا المجال تشير إلى أن تحقيق روبوتات شبيهة بالبشر قادرة على أداء مهام متنوعة قد يكون أبعد من المتوقع. هذا التحول في النظرة يأتي بالتزامن مع ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في تطوير هذه التقنيات، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه المشاريع ومستقبلها.
تحديات تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر
لطالما كان الحلم بصناعة روبوت قادر على محاكاة القدرات البشرية هدفًا رئيسيًا للباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يرى رودني بروكس، أحد أبرز رواد علم الروبوتات، أن هذا الهدف يواجه صعوبات جمة. ففي حديث له، عبّر عن شكوكه في إمكانية بناء روبوتات متعددة الأغراض قادرة على العمل بأمان وفعالية في بيئة بشرية.
يعود بروكس إلى تجارب سابقة، مثل سيارة إرنست ديكمانز ذاتية القيادة، وهزيمة حاسوب “ديب بلو” لغاري كاسباروف في الشطرنج، والتوقعات الفاشلة حول تطور تقنيات الأشعة، ليؤكد أن التقدم التكنولوجي لا يضمن دائمًا تحقيق الأهداف المنشودة. ويشير إلى أن العديد من المشاريع الطموحة في مجال الذكاء الاصطناعي قد انتهت بخيبة أمل.
ويرى خبراء أن أحد أكبر التحديات يكمن في محاكاة البراعة البشرية، أي القدرة على التلاعب بالأشياء بدقة ومرونة. فالأيدي البشرية مزودة بمستشعرات لمسية معقدة تسمح لنا بجمع معلومات دقيقة حول الأجسام التي نلمسها، وهو أمر يصعب تكراره في الروبوتات. بالإضافة إلى ذلك، تتطلب المهام اليومية قدرة على التكيف مع المواقف غير المتوقعة، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا للبرامج الحاسوبية.
الاستثمارات الضخمة ومخاطرها
على الرغم من هذه التحديات، تستمر الشركات في ضخ استثمارات ضخمة في تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر. فشركة تسلا، على سبيل المثال، تراهن بشكل كبير على روبوتها “أوبتيموس”، وتتوقع أن يتمكن هذا الروبوت من التفوق على البشر في العديد من المهام. كما أن هناك شركات ناشئة أخرى، مثل Figure AI، تجمع مبالغ كبيرة من المال لتطوير روبوتات متطورة.
لكن بروكس يحذر من أن هذه الاستثمارات قد تكون مهدورة. ويقول إنه خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة، سيتم إنفاق الكثير من الأموال في محاولة لتحسين الروبوتات الشبيهة بالبشر الحالية، لكن هذه الروبوتات ستصبح قديمة الطراز وستُنسى في النهاية. ويضيف أن التركيز على المظهر الخارجي الشبيه بالبشر قد يصرف الانتباه عن تطوير روبوتات أكثر عملية وفعالية.
تثير هذه المخاوف تساؤلات حول مدى واقعية التوقعات المتعلقة بالروبوتات الشبيهة بالبشر. فهل نحن على أعتاب ثورة روبوتية حقيقية، أم أننا نشهد فقاعة استثمارية ستنفجر في النهاية؟
السلامة واللوائح التنظيمية
بالإضافة إلى التحديات التقنية، هناك أيضًا مخاوف تتعلق بالسلامة. فالروبوتات الشبيهة بالبشر، بقوتها وآلياتها المعقدة، قد تشكل خطرًا على البشر إذا فقدت السيطرة أو تعرضت لأعطال. ويؤكد بروكس على أنه لن يقترب من أي روبوت بشري لمسافة تقل عن متر واحد، خوفًا من أن يفقد الروبوت توازنه ويتسبب في إصابات.
تتطلب هذه المخاوف وضع لوائح تنظيمية صارمة لضمان سلامة الروبوتات وحماية البشر. وتعمل منظمات مثل ASTM International على تطوير معايير السلامة للروبوتات، خاصةً تلك التي تعمل في بيئات مشتركة مع البشر. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لضمان سلامة الروبوتات الشبيهة بالبشر في المنازل والأماكن العامة.
تعتبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل تلك المستخدمة في تدريب الروبوتات على التعرف على الأشياء والاستجابة للأوامر، تطورًا واعدًا، لكنها ليست حلاً سحريًا. فالبيانات المرئية وحدها قد لا تكون كافية لتعليم الروبوتات كيفية التلاعب بالأشياء بدقة ومرونة. ويقترح بعض الباحثين إضافة مستشعرات لمسية إلى الروبوتات، أو استخدام البيانات الداخلية التي يجمعها الروبوت أثناء عمله.
مستقبل الروبوتات: الواقعية والتكيف
في الختام، يبدو أن مستقبل الروبوتات يكمن في الواقعية والتكيف. فبدلاً من السعي نحو بناء روبوتات شبيهة بالبشر قادرة على أداء جميع المهام، قد يكون من الأفضل التركيز على تطوير روبوتات متخصصة مصممة لأداء مهام محددة في ظروف معينة. هذه الروبوتات قد لا تكون مبهرة، لكنها ستكون أكثر عملية وفعالية وأمانًا.
من المتوقع أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة المزيد من المناقشات حول مستقبل الروبوتات، وخاصةً الروبوتات الشبيهة بالبشر. سيكون من المهم مراقبة التطورات التقنية، واللوائح التنظيمية، والاستثمارات في هذا المجال، لتقييم مدى جدوى هذه المشاريع وتأثيرها على حياتنا. كما يجب الانتباه إلى أي حوادث أو مشكلات تتعلق بالسلامة قد تظهر، لضمان تطوير الروبوتات بطريقة مسؤولة وآمنة.
