أين ذهب الرفاق؟ تأملات في فكر وتجربة اليسار السوداني «4»

د. ناهد محمد الحسن

فخ اللغة: الخطاب الذي نجا، ولم ينقذ الناس

لم تكن اللغة، في التجربة الشيوعية، مجرد وسيلة للتواصل أو أداة للشرح. كانت ولا تزال في كثير من تجلياتها بنية لإنتاج الحقيقة نفسها. فكما يقول ميشيل فوكو، لا يصف الخطاب العالم بقدر ما يُنشئه، يحدّد ما يمكن التفكير فيه، وما يجوز قوله، ومن يملك الحق في الكلام أصلًا (1).

من هنا يمكن فهم كيف تحوّلت اللغة داخل الأحزاب الثورية، لا سيما الشيوعية، إلى عالم مكتمل بذاته.. بمصطلحاته الخاصة، ونبرته الأخلاقية، وقواعده الصارمة، وآلياته الدقيقة في الفرز والانتماء. لغة لا تُشبه الحياة اليومية للناس، ولا تُصغي لتجاربهم، ولا تتحرك مع تحولاتهم، بل تقف فوقهم… تفسّرهم، تُصنّفهم، وتقرّر عنهم. هذا المقال لا يناقش اللغة بوصفها “مشكلة أسلوب”، بل بوصفها بنية سلطة. ويتساءل: كيف تُبنى لغة الحزب؟ ولماذا تتحول من أداة تحرر إلى أداة وصاية؟ وكيف تصبح جدارًا يعزل الحزب عن المجتمع؟ ولماذا فشلت هذه اللغة، تحديدًا، في السياق السوداني؟ وكيف قوّضتها النسوية واليسار الجديد من الداخل؟

اللغة ليست بريئة: كل خطاب يبني عالمًا

اللسانيات الحديثة، والفلسفة النقدية، وعلم النفس الاجتماعي، تتفق جميعها على فكرة مركزية: اللغة لا تعكس الواقع… بل تصنعه. حين يخلق حزب سياسي لغة خاصة به، فإنه لا ينتج فقط مصطلحات، بل يُنشئ مجتمعًا لغويًا مغلقًا، وحدودًا لما يُقال وما لا يُقال. يملي قواعد للانتماء والولاء، ومعايير للصواب والخطأ، وطرائق محددة لرؤية العالم. (لويس ألتوسير) وصف هذا بدقة حين قال إن الأيديولوجيا تعمل عبر بُنى خطابية تُنتج الذوات المؤمنة، لا الأفكار فقط (2). فاللغة هنا لا تنقل الوعي، بل تصنع الذات الثورية نفسها: كيف تفكّر، كيف تشعر، كيف ترى الآخرين. لكن الخطر يبدأ حين تتحول هذه الآلة اللغوية من أداة تفسير إلى نظام مغلق. ومن وسيلة فهم إلى معيار أخلاقي. ومن لغة حركة إلى لغة طقس.

حين تصبح لغة الحزب جدارًا

عبر تاريخ اليسار العالمي، تتكرر خصائص معينة للغة الأحزاب الشيوعية، تجعلها دون قصد أحيانًا لغة عازلة. أول هذه الخصائص هو التجريد المفرط. مصطلحات ضخمة تُستعمل كما لو كانت قوانين طبيعية. مصطلحات مثل التناقض، التحليل الطبقي، الوعي الزائف، التحالفات الموضوعية، البرجوازية الصغيرة، والقوى الثورية. هذه الكلمات، رغم عمقها النظري، تتحول في الممارسة إلى قوالب جاهزة تُفرض على الواقع بدل أن تنبثق منه. فالناس لا يعيشون “التناقض” كمفهوم، بل كألم، خوف، فقر، إذلال، عنف، أو فقدان أمان. ففي علم اللسانيات الاجتماعية كل جماعة مغلقة تطوّر ما يُسمّى (Ingroup language)، لغة لا تُستخدم فقط للتواصل، بل للفرز. من يفهم المصطلح هو “منّا”، ومن يتعثّر فيه هو (خارج الوعي). المصطلح لا يُقصي الجهلاء فقط، بل يُقصي الخبرة الشعبية غير المصاغة نظريًا. لكن اللغة الحزبية غالبًا لا ترى هذا التفصيل الإنساني، بل تذوّبه في تصنيفات عامة. أمّا الخاصية الثانية فهي النبرة التربوية الأخلاقية. لغة تقول: نحن نعرف… وأنتم تتعلمون. لغة ترى نفسها حاملًا للحقيقة، وترى الآخرين في حالة “نقص وعي”. هنا تلتقي اللغة الثورية، في تناقض صارخ، مع البنية الأبوية التي تدّعي محاربتها. النسوية انتبهت مبكرًا لهذا التناقض. (بيل هوكس) كتبت بوضوح أن اللغة التي تتحدث من فوق، حتى لو كانت راديكالية، تعيد إنتاج نفس هرمية السيطرة التي تنتقدها (3). الخاصية الثالثة فهي الثنائية الصارمة. اللغة الحزبية تميل إلى تقسيم العالم إلى ثنائيات. على شاكلة رفيق/عدو، ثوري/انتهازي، علمي/غيبي، تقدمي/رجعي. وبالطبع تربط نفسها بالقسم ذو القيمة الأعلى بينما تترك من هو خارج الحزب مع العداوة/الانتهازية/ التغييب/الرجعيّة. لا مساحة للالتباس، ولا اعتراف بالتناقض الداخلي، ولا فهم للمناطق الرمادية التي يعيش فيها البشر. هذه البساطة تمنح شعورًا زائفًا باليقين، لكنها تُفرغ الواقع من تعقيده الحقيقي. وعلم النفس المعرفي يبيّن أن التفكير الثنائي   (BlackandWhite Thinking) هو آلية دفاع نفسي بدائية، تظهر في البيئات عالية التوتر. تسهّل اتخاذ القرار… لكنها تنهي القدرة على التفكير والفهم المعقّد.  وهنا يصبح “المنحرف”، “الانتهازي”، “البرجوازي الصغير” ليست مجرد أوصافًا تحليلية فقط، بل أدوات ضبط نفسي. ثم تأتي الخاصية الرابعة، وهي تقديس المصطلح. حيث تكتسب الكلمات داخل الحزب تاريخًا مقدسًا. التشكيك فيها لا يُفهم كتطوير، بل كتهديد. وكما يقول (سلافوي جيجك)، تتحول اللغة الثورية إلى طقس حين تفقد علاقتها بتجارب الناس اليومية (4).

من لغة تفسير إلى غرفة لصدى الصوت:

لا تصبح اللغة جدارًا فقط لأنها صعبة، بل لأنها تفترض ضمنيًا أن الناس لا يفهمون واقعهم، وأن الحقيقة موجودة مسبقًا داخل النظرية، وأن الإصغاء ليس ضروريًا إلا لتأكيد ما نعرفه سلفًا. هكذا يتحول الحزب إلى غرفة تعيد صدى الصوت. يتحدث أعضاؤه لبعضهم البعض، يشرحون الواقع لأنفسهم، بينما الحياة تمضي خارج لغتهم. (أنطونيو غرامشي) التقط هذا الخطر مبكرًا حين قال إن الحزب، حين تنفصل لغته عن الحياة اليومية، يتحول إلى طائفة لغوية لا حركة اجتماعية (5).

السودان: حين اصطدمت اللغة الثورية بواقع لا يُختزل:

في السودان، كان هذا الاصطدام أكثر حدة. في بلد متعدد اللغات والهويات، تحكمه ذاكرة استعمار، وتتشكل فيه السياسة عبر الدين، والجهة، والقبيلة، والعرق، والتاريخ المحلي. لغة التحليل الطبقي، بصيغتها الأوروبية، عجزت عن تفسير صراعات الهوية، والعنف الرمزي، وميراث الدولة الاستعمارية. النظرية تبحث عن طبقات، بينما الناس يتحدثون عن مركز وهامش، عن عرب وزرقة، عن دينكا ونوبة وفلاتة، عن ظلم تاريخي متراكم. كذلك اصطدمت لغة العلمنة الجافة بالدين الشعبي، الذي لم يكن مجرد “أيديولوجيا”، بل معنى، وعزاء، وأخلاق، وشبكة حياة. وحين وُصف هذا كله بالوعي الزائف، انقطعت الجسور.

أما مع النساء، فكان الاصطدام أعمق. الخبرة النسوية لا تُختزل في موقع إنتاجي. هي جسدية، عاطفية، اجتماعية، أخلاقية. لغة النقاء الثوري، الذكورية في بنيتها، فشلت في احتواء هذا التعقيد، رغم أن النسوية السودانية نبهت مبكرًا إلى ذلك. ما فعلته النسوية في السودان وخارجه لم يكن فقط إضافة “قضية النساء” إلى الخطاب، بل تفجير بنيته اللغوية نفسها. لقد سألت: من يتكلم؟ ومن يُصغي؟ ومن يعرّف المعاناة؟ وهل الألم يحتاج إلى إذن نظري كي يُعترف به؟ ثم جاء التهميش الجهوي. الخطاب ظل حضريًا، نخبويا، مركزيا، بينما التحولات الاجتماعية الكبرى كانت تحدث في الأطراف.

اللغة كسلطة: لماذا يخيف تغيير الكلمات؟

اللغة هي أعمق أشكال السلطة وأكثرها خفاءً. تغييرها يعني تغيير الهوية، والتراتبية، والعلاقة بالجماهير، ومعنى “الثورية” نفسها. لذلك تقاوم الأحزاب تغيير لغتها أكثر مما تقاوم تغيير قياداتها. (جوديث بتلر) تشرح هذا بوضوح حين تقول إن السيطرة على اللغة هي السيطرة على شروط الوجود السياسي ذاته (6).

ما الذي كسر الجدار؟

الحركات النسوية، وحركات المناخ، ومناهضة العنصرية، لم تبدأ من نظرية مكتملة، بل من الخبرة. من الجسد، من الألم، من التجربة اليومية. أعادت الاعتبار للغة العاطفية، للشهادة الشخصية، للسرد، للتعدد، وللهامش بوصفه مصدر معرفة. لم تعد الحقيقة تُعلن من فوق، بل تُبنى جماعيًا. فاللغة التي لا ترى الناس… تعجز عن تغييرهم. لغة الأحزاب الثورية ليست مجرد كلمات. إنها بنية نفسية وسياسية، تصنع هوية وموقعًا في العالم. وحين تنفصل عن الحياة، تتحول إلى جدار.  وإذا أراد اليسار أن يستعيد دوره، فعليه أن يهدم هذا الجدار، ويعود إلى لغة تشبه الناس، تشبه لغتهم، ألمهم، خيالهم، وتناقضاتهم.

المراجع:

  1. Michel Foucault, The Archaeology of Knowledge, 1969.
  2. Louis Althusser, Ideology and Ideological State Apparatuses, 1970.
  3. bell hooks, Teaching to Transgress, 1994.
  4. Slavoj Žižek, The Sublime Object of Ideology, 1989.
  5. Antonio Gramsci, Prison Notebooks, 19291935.
  6. Judith Butler, Excitable Speech, 1997.

أين ذهب الرفاق؟ تأملات في فكر وتجربة اليسار السوداني (3)

المصدر: صحيفة التغيير

شاركها.