أمد/ تل أبيب: نشرت صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية يوم الأحد، تقريرا تناول  الوضع الميداني والإنساني في جنوب قطاع غزة، خصوصًا منطقة ممر موراج، رفح، والمواصي، في ظل تنفيذ الإطار الأمريكي المعروف باسم خطة “غزة الجديدة” ذات العشرين بندًا، بالتعاون مع جيش الاحتلال الإسرائيلي.

ويصف التقرير ممر موراج الفاصل بين منطقتي خان يونس شمالًا ورفح جنوبًا، وقد تحوّل اليوم إلى شريان ترابي عسكري محاط بالسواتر الترابية على جانبيه، يفصل بين مناطق سيطرة حماس غربًا ومناطق انتشار جيش الدفاع الإسرائيلي شرقًا، وصولًا إلى منطقة المواصي الخاضعة لحماس والتي تستوعب جزءًا كبيرًا من سكان غزة النازحين.

وقال، خلال جولة ميدانية على هذا الممر، تظهر العربات العسكرية وهي تثير الغبار في طريقها، فيما تحجب السواتر العالية مشهد الدمار الواسع على الجانبين. غير أن المشهد الأكثر لفتًا للانتباه على طول الطريق كان أكوام أكياس الدقيق والطرود الغذائية البيضاء والكرتونية الملقاة على جانبي الطريق، والتي تُقدَّر بعشرات بل مئات الأطنان من المواد الغذائية السليمة والصالحة للأكل.

وبحسب ضابط إسرائيلي رفيع رافق الجولة، فإن هذه المواد مصدرها شاحنات المساعدات الإنسانية القادمة من معبر كرم أبو سالم باتجاه جنوب القطاع. ويرجّح أن جزءًا منها مرتبط بمؤسسة “غزة الإنسانية” (GHF)  ) التي عملت تحت رعاية وتمويل إسرائيلي لتقديم مساعدات للقطاع، قبل أن تتوقف عملياتها.

هذا المشهد يثير، وفق التقرير، تساؤلات جدية حول آليات توزيع المساعدات داخل غزة، كما يدفع للتشكيك في روايات “المجاعة الشاملة” التي تروّج لها منظمات إغاثة دولية، في ظل وجود كميات كبيرة من الغذاء المتروك على الطرقات. ويطرح معدّ التقرير احتمالين رئيسيين لكيفية وصول هذه الأطنان من الطعام إلى حافة الطريق:
الأول، سقوطها من الشاحنات بسبب سوء تثبيت الحمولة في طريق ترابية وعرة، في ظل غياب رقابة دقيقة من المنظمات المستلمة داخل غزة على الكميات الفعلية التي تصل من المعبر.

والثاني، تورط لصوص أو عناصر من حماس أو عصابات عائلية في الصعود إلى الشاحنات خلال حركتها والتخلص من الحمولة لتجميعها لاحقًا وبيعها في السوق السوداء، قبل أن يعيق وجود الجيش الإسرائيلي في المنطقة استكمال عمليات النهب.

على المستوى الاستراتيجي، يندرج هذا الواقع الميداني ضمن إطار أوسع يعرف باسم خطة “غزة الجديدة” المكونة من عشرين بندًا، التي بلورها مركز القيادة الأمريكية في كريات جات، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي. وتقوم الخطة على تقسيم القطاع إلى مناطق تخضع لسيطرة حماس وأخرى لسيطرة إسرائيل، بحيث تغطي الأخيرة نحو 57% من مساحة غزة شرق “الخط الأصفر”، مع استعداد لبقاء عسكري إسرائيلي طويل الأمد.

وتستهدف الخطة، التي يصفها بعض الضباط الإسرائيليين باسم “غزة الخضراء”، إعادة تنظيم واقع السكان عبر إنشاء “أحياء مؤقتة جديدة” في مناطق مفتوحة شرق رفح وخان يونس، بعيدة عن الأنقاض والألغام والذخائر غير المنفجرة.

وستُخصص هذه الأحياء للمدنيين غير المنتمين لحماس، لا سيما النازحين المقيمين حاليًا في أكواخ صفيح وخيام بلاستيكية في المواصي والمناطق الغربية الخاضعة لحماس.

وتنص الخطة على إقامة مجمعات سكنية مؤقتة تضم كرفانات وخيامًا منظّمة، مزوّدة ببنية تحتية من مياه وكهرباء وصرف صحي، إلى جانب مستشفيات وعيادات ومدارس ومساجد، بتمويل من دول مانحة والأمم المتحدة. كما يُفترض أن تتزامن هذه الخطوة مع بدء مشاريع واسعة لإزالة الأنقاض وإعادة إعمار “غزة الجديدة”، يرجَّح أن ينفذها مقاولون مصريون، على أن يُمنح السكان فرص عمل بأجر في هذه المشاريع.

ولتجنّب تكرار سيناريو استيلاء حماس على المساعدات الإنسانية، كما حدث مع “صندوق الإغاثة الإنسانية العالمي”، تخطط الجهات المشرفة لإنشاء مراكز توزيع صغيرة ومحلية للمساعدات داخل الأحياء المؤقتة، بإدارة منظمات دولية وبحماية قوات استقرار متعددة الجنسيات، بهدف إيصال المساعدات مباشرة إلى المستفيدين وتقليص قدرة حماس على التحكم بالمخزون الغذائي وبيعه في السوق السوداء.

أمنيًا، يعتمد انتشار الجيش الإسرائيلي شرق الخط الأصفر على نقاط حصينة محاطة بسواتر ترابية عالية وأسلاك شائكة، تقع على مسافة مئات الأمتار من الخط، لتشكيل شريط أمني مكشوف يسمح برصد محاولات تسلل مسلحي حماس من “الجيب الأحمر” الخاضع لسيطرتها وضربهم جوًا وبرًا قبل وصولهم إلى المواقع المحصّنة.

كما يجري التخطيط لإقامة معابر ونقاط تفتيش مزوّدة بوسائل تكنولوجية متقدمة، بينها أنظمة التعرف على الوجوه وأجهزة استشعار مدعومة بالذكاء الاصطناعي، لمنع عناصر حماس من دخول الأحياء المؤقتة أو تهريب السلاح إليها.

ورغم تقليص حجم القوات الإسرائيلية العاملة داخل القطاع، لا تزال جيوب مقاومة تحت الأرض نشطة، خصوصًا في أنفاق خان يونس ورفح، حيث تدور معارك فوق الأرض وتحتها. ويشير التقرير إلى مجمع أنفاق كثيف في رفح حوصر بداخله نحو مئة مقاتل، قُتل ثلثهم بغارات جوية وتفجيرات هندسية داخل الأنفاق، فيما قُتل معظم من حاولوا الفرار أو القتال حتى النهاية، واستسلم آخرون، بينهم من سلّم نفسه لميليشيات “عائلية” محلية بدأت تتمرد علنًا على حماس وتُضعف هيبتها في غزة.

وبحسب تقديرات المخططين الأمريكيين والإسرائيليين، تهدف خطة “غزة الجديدة” في مرحلتها النهائية إلى فصل المدنيين عن حماس عبر نقل نحو مليوني فلسطيني من المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة إلى أحياء مؤقتة ثم مجتمعات دائمة جديدة تُبنى بتمويل خليجي ودولي، مع احتمال فتح الباب أمام من يرغب في مغادرة القطاع إلى دول أخرى تستعد لاستقبالهم. وفي المقابل، ستجد حماس والجهاد الإسلامي نفسيهما محاصرين في “جيب أحمر” ساحلي بلا مدنيين تقريبًا، وتحت حصار عسكري وإنساني مشدد، ما سيدفعهما ـ وفق الرؤية الأمريكية ـ إلى الاختيار بين الاستسلام ونزع السلاح أو الخروج من غزة أو القتال حتى الفناء.

غير أن التقرير يلفت في ختامه إلى أن هذه الرؤية ما زالت تواجه عوائق كبيرة؛ فقوة الاستقرار متعددة الجنسيات لم تُشكّل بعد، ولا دولة أعلنت رسميًا تطوعها للمشاركة فيها، كما أن الإدارة المدنية المنشودة وتمويل الخطة لم يُحسم بعد.

وفي ظل هذه المعطيات، يستعد الجيش الإسرائيلي لإقامة مطولة في القطاع وسط تساؤلات داخل إسرائيل حول مدى قدرة المجتمع على تحمّل كلفة هذا الانخراط طويل الأمد، إلى أن تتحول الخطة الأمريكية من خرائط ومراكز قيادة إلى واقع ميداني على الأرض.
 

شاركها.