

السودان يسقط من خارطة التعليم العالمي : حصاد عقود من الإهمال والتدهور
بقلم : صفاء الزين
هذا اليوم يسجل سقوطًا جديدًا في سجل التدهور الطويل: السودان خرج من التصنيف العالمي لجودة التعليم. خبر ثقيل، لكنه نتيجة سنوات من الإهمال المتواصل. مؤسسات التعليم تراجعت، المناهج تقادمت، المعلم يعيش في ظروف قاسية، والطلاب يتنقلون بين مدارس مهدمة وجامعات مشردة. بلد بهذا الواقع كان سيغادر أي قائمة محترمة عاجلًا أو آجلًا.
كيف يستمر السودان داخل أي مؤشر عالمي بينما أكثر من 19 مليون طفل أي نحو 90% من إجمالي الأطفال في سن الدراسة خارج الفصول أو بلا وصول منتظم إلى تعليم رسمي؟ وكيف تبقى دولة في خارطة التعليم والعالم يشهد أن نحو 7,000 مدرسة أصبحت خارج الخدمة بسبب الحرب، وأن أكثر من 13 مليون طالب تضرروا مباشرة جراء توقف العملية التعليمية؟ كيف يرتفع بلد يغيب فيه التخطيط، ويتراجع فيه الاستثمار في العقل، وينهار فيه كل ما يدعم بناء الإنسان؟ ما يحدث اليوم انعكاس مباشر لسنوات تراكمت، حتى صار التعليم مجرد اسم بلا مضمون.
دول أخرى في المنطقة تتحرك للأمام. قطر أصبحت الرابعة عالميًا والأولى عربيًا، الإمارات ضمن أفضل 20 دولة عالميًا في جودة التعليم الرقمي والبنية التعليمية، لبنان رغم أزماته يحافظ على المرتبة الثالثة عربيًا في جودة التعليم الجامعي. هذه الدول احترمت التعليم، واعتبرته مشروعًا مستمرًا لا يتبدل بتبدل الحكومات. ضخت الموارد، طورت المناهج، رفعت مكانة المعلم، وفتحت أبواب البحث العلمي. بينما السودان سار في الاتجاه المعاكس، حتى جاء وقت لم يجد فيه مكانًا بين دول العالم في أي تقييم جاد، بعد أن توقفت ميزانية التعليم عند أقل من 2% من الإنفاق الحكومي العام، في حين تتجاوز النسبة في الدول الناجحة 12% إلى 18%.
وسط هذا الخراب، يبرز صوت آخر يجب أن يقال بوضوح: أفيقوا أيها الجنرالات من صناعة الحروب، وأوقفوا هذا العبث من أجل نهضة البلاد. هناك جيل ضاع مستقبله تحت ظلال التصعيد المستمر. شباب لم يختاروا الحرب، لكنهم يعيشون آثارها كل يوم. قرار السلام لا يحتمل التأجيل، فهذه البلاد تحتاج توقف النزيف قبل أي خطوة أخرى. الجيل الذي يكبر اليوم يستحق مستقبلًا قائمًا على المعرفة، لا على الركام. التعليم هو الطريق الوحيد لنهضة الشعوب، وهو الأساس الذي لا يقوم بدونه أي مشروع وطني.
وخروج السودان من خارطة التعليم ما هو إلا إنذار أخير بأن البلاد تمشي نحو هاوية مفتوحة. ما لم يصبح التعليم أولوية أعلى من الصراع، سيبقى المستقبل محجوبًا عن جيل كامل ينتظر فرصة واحدة ليعيش حياة طبيعية. هذا السقوط لا يُعالج بالشعارات، بل بقرار واضح يعيد للعقل مكانه ولكرسي الدراسة قيمته… وإلا سنظل خارج القوائم، وخارج التاريخ.
المصدر: صحيفة التغيير
