
البرهان يتحدث بلسانين وسط العاصفة
أحمد عثمان جبريل
في لحظات الصدق مع النفس، تزدحم الأسئلة لتأتي أكثر مما يحتمل صدر إنسان، حيث يقف السودان اليوم أمام مشهد لا يشبه سوى نفسه:” بلد تتنازعه الأوهام والحقائق، وتتكاثر فيه جراح الأرض والقلب معًا، وتتداخل أقدار الناس مع تشظّي السلطة، فيما تتربص به رياح العاصفة من كل جانب.. وفي قلب هذا المشهد يقف الفريق عبد الفتاح البرهان، ليس كرئيس لمجلس سيادي ولا كقائد للجيش فحسب، بل كرمز لحالة تائهة بين لغة الدولة ولغة الحرب، بين خطاب الشرعية وخشية الانهيار، بين رغبة إنقاذ الوطن ووزن الفشل الثقيل.. هو اليوم ليس فقط مسؤولاً عن القرار، بل مرآة لصراع داخلي وخارجي؛ مرآة يرى فيها كل من تألم وفقد الأمل، وكل من خاف على مستقبل هذا الوطن، وسط عاصفة سياسية وأمنية لا تعرف الرحمة .
❝ الدولة إذا دخلها الوهم، فسدت سياستها، وضلّت أقدام أهلها. ❞ ابن خلدون
1 .
في ضوء ما قاله لبن خلدون هنا، تصبح ازدواجية الكلام علامة تدل على وهم كبير.. فالسلطة التي تتعاطى مع نفسها بلسانين، كمن يبني قصرًا فوق رمالٍ متحركة.. الكلام الأول يُعلن سيادة الدولة، وحدة القرار، استعادة النظام، ومنجزات المستقبل، وكأنه يريد أن يُعيد رسم خارطة الأمل فوق خريطة الدمار. أما الكلام الآخر الذي لا يُصدره رسميًا، لكنه يُشعر به من خلال نبرة الغموض، من خلال الإشارات المتضاربة، من خلال صمت الفعل؛ فهو صدى الحقيقة التي لا تريد السلطة الاعتراف بها.. أن الخراب أخذ يمشي في الشوارع، وأن الدولة التي تُسدَّدت عليها البندقية، لم تعد قادرة على حماية نفسها، فكيف تحمي شعباً؟
2 .
إن اللسان الأول، لسان الدولة، يخاطب الداخل بـ “نحن بالجيش والدولة” يرفع راية الاستقرار وينتشر كخطيبٍ في مولد.، لكن الرسالة تفقد صدقيتها مع كل جبهة تُفتح، وكل حيٍّ يُشرد، وكل بيت يُدمّر.. الناس التي كانت تصغي إلى الكلام، عرفت بعد سنوات أنه لا يكفي أن تُعلَن البيانات، إذا ظلت الأوامر تتبعها دبابات القصف، ونزوح الأطفال، وتوسّع رقعة الفقر.. فتلك كانت لحظة الانتقال من الوطن كمشروع إلى الوطن كجوعٍ وفوضى .. وهنا تنهار السياسة حين تُقاس بوعود لا تتجاوز حنايا الكلام.
3 .
أما اللسان الآخر، فهو لسان الرجل الذي يرى أن العالم يخنق الحكم من الخارج، وأن الجبهات تنهش من الداخل، فيتحول التصريح إلى همس في أروقة ضيقة، ويتحوّل الإعلان إلى مرونة في الحسابات.. يتحدث أحيانًا عن “ضغوط دولية” و “مؤامرات” كما لو الوطن مسجون بين أيدي قوى لا تُرى، وليس كما لو أن قدره بيد من قاد سلاحه إلى أرضه.. هذا اللسان يتماهى مع الخوف، لا مع القرار؛ يتماهى مع صدارة الإعلام، لا مع مؤسسات الدولة؛ يتماهى مع الدفاع عن الذات، لا مع مسؤولية القيادة.. والمفارقة أن لسان الحرب هذا بات يُسمع أكثر من لسان الدولة، لأن الواقع صار يُجبر الجميع على الاعتراف بأن الكلام لم يعد مصدر ثقة.
4 .
ثم يأتي ما خفي من عبء.. الولايات المتحدة تشرع في إسقاط تهمة “الكيماوي” على مسار الحرب في السودان، فالتلويح والعقوبات المحتملة يُعيدان رسم أمن الخرطوم العالمي نحو عنوان الحرج الدبلوماسي.. ملف الكيماوي ليس تهمة عادية تُضاف إلى قائمة انتهاكات .. بل هو تهمة تتعالى فوق الحدود، وتغيّر قواعد اللعبة.. حين تُهدّد دولة كبرى بهذا الملف، فإنها لا تستهدف ذكوراً أو صف ثانٍ، بل تستهدف رأس القائد ذاته، وتستهدف الدولة ككيان.. وهكذا يخرج الصراع المحلي من دائرة المواجهات الداخلية إلى دائرة حسابات إقليمية ودولية.. هكذا يتحدث علم السياسة وتكتيك الحصار.
5 .
احتمال أن تُعدَّ المعركة في ميدان المواجهة ميدانية وجودية، وتحول الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية إلى سياج حول القيادة، هو ما يجعل “السودان القائد” في موقع هشّ.. فالقوى الدولية لا تهتم فقط بمآسي الحرب كما هو اوضح، بل بالملفات التي تخرج الحرب من سياقها المحلي إلى سياق يهدد الأمن الإقليمي أو المصالح الخارجية.. وما لم يفهم القائد (صاحب اللسانين) أن ملف الكيماوي ليس ورقة ضغط بل مدخل لخنق سياسي، ستظل خطايا الحرب تُحسب عليه، وسيظل الشك يغلف الداخل قبل الخارج.
6 .
والبرهان، في هذا المشهد، ليس غافلاً.. هو يدرك ” ربما أكثر من غيره ” أن التهديد الخارجي ليس كلاماً فارغاً.. هو يسمع صدى التحذيرات، يرى ارتجافات السياسات الدولية، يدرك أن بعض رفقاء الأمس ربما استبدلوا الوقوف جانبه بصياغة بخلفية ائتلافات جديدة.. لكنه أيضًا يجد نفسه محاصرًا بين أمكنة لا تُشبه بعضها ..” بين جبهات مفتوحة، وبين زوايا دبلوماسية مغلقة، وبين شعب تحت الماء، وبين جهاز أُرهق من القتال”.. وهذا الحصار السياسي والنفسي يجعل الرجل في دوامة لسانين: خطاب خارجي، وصراع داخلي، وعجز عن الجمع بينهما.
7 .
ومع مرور الأيام، تتبدّل خارطة الأرض: مناطق تُفقد، مدن تُخلى، خدمات تنهار، إنسان يحسب على الفقر.. جهاز الدولة الذي يُفترض أن يعيد ترتيب الأمور، يبدو اليوم كجهاز تابع لمراكز قوة لم تُقدَّر حساباتها من البداية.. وهنا تتضح مأساة القيادة: أن يقود حرباً لا تملك القدرة على الانتصار فيها، وأن يعلن بناء دولة في وقت تنهار فيه مؤسسات الدولة يوميًا.. فحين تصبح كل خطوة انتخابًا بين سوءين، ويصبح كل وعد تذكرة إلى مزيد من الجرح، يتحول القائد (وإن بدا قوياً في خطابه) إلى رهينة ظرفه.
8 .
في هذا السياق، يتبلور السؤال الأكبر: (إلى أين يتجه هذا الرجل؟ ..هل الطريق أمامه هو الاستمرار في لعبة التناقض بين الخطاب والحرب؟ .. أم أن بداية الاعتراف بأن لسانين لا يصنعان دولة قد تفتح أمامه مخرجًا؟ ) ..الخيار ليس سهلاً. إنه لا يختار بين سياسة أو حرب فحسب، بل بين شرعية تُبنى على تضحيات شعب، وبين رئاسة تُبنى على صفقات وهم. والحقيقة أن الشعب لا ينظر اليوم إلى الورق، بل إلى الواقع.. إلى المأوى، إلى الخبز، إلى الأمان؛ وإلى الأمل الذي لم يعد يُشترى ببيان.
9 .
ولذلك، دائما ما نقول: إن استمرار الرجل في هذا المسار يعني بالضرورة أن العاصفة ستأخذ أهل البلاد معه، لا فقط بصواريخ الحرب، بل بصمت السياسة وتخاذل القرار.. والعاصفة التي لا تُرى نهايتها ليست عدوَّ خارجي فحسب، بل هي تساؤل داخلي ينهش الثقة ببطء، يفتك بالأمل خفية، ويُسقط الدولة برفق كما يُسقط ضوء قنديل قادم من تقادم خزانته.
وفي هذه اللحظة اللحظة التي تتداخل فيها الألسن، وتتشابك فيها الحسابات، وتغرق فيها البلاد في صمت أهل السياسة يحق للمواطن للسوداني أن يسأل:”هل بقي في هذا الرجل ما يُنقذ السودان؟ .. أم أن لسانين لا يصنعان وطنًا، وأن الأوهام لا تبني مؤسسات، وأن الحرب لا تلد سلامًا، وأن البلاد تستحق أن يُنظر إليها بعين الحقيقة، لا بعين المزاودات، ولا بعين وهم القيادة؟ إنت لله ياخ.. الله غالب.
المصدر: صحيفة التغيير
