30 نوفمبر 2025Last Update :

– بقلم: اللواء أنور رجب – لا يبدأ هذا اليوم من قاعة في الأمم المتحدة، ولا من قرار وُقع قبل عقود، بل من مكان أبعد وأكثر صدقا: من طفل ينتشل رأسه من تحت الركام، ومن أم تبحث بين الغبار عن بيت كان يوما يشبه الحياة، ويتسع المشهد لجنازة تمضي بصمت، ولمدينة تصر على البقاء رغم نار الإبادة. من هذا المشهد القاسي، تدخل المناسبة السياسية لا كاحتفال سنوي، بل كمساءلة للعالم: ما الذي بقي من عدالة الأرض؟ وما معنى التضامن حين تصبح الدماء لغة الواقع؟

من هذا السؤال تنطلق الرواية الفلسطينية الرسمية بثبات، فما يجري في غزة والضفة الغربية والقدس ليس حدثا عابرا، بل اختبار حقيقي للشرعية الدولية. وبينما يحاول الاحتلال فرض وقائع جديدة بالقوة، يصر الفلسطيني على أن الحق ثابت، وأن الدولة ليست وعدا مؤجلا، بل استحقاق سياسي وقانوني تتعزز شرعيته في وعي الشعوب ومؤسسات المجتمع الدولي. وفي ظل حرب الإبادة على غزة، يكتسب اليوم العالمي للتضامن معنى أعمق، إذ يتحول من مناسبة إلى منصة لكشف الحقيقة وكسر رواية التزييف والكذب.

ويأتي الموقف الفلسطيني هذا العام ورغم الجراح والآلام أكثر تماسكا وإصرارا، لأن المعركة لم تعد معركة حدود فقط، بل معركة رواية وهوية. غزة ليست ملفا إنسانيا، وليست مساحة معزولة بلون حدودي، إنها قلب فلسطين وركن أصيل من وحدتها مع الضفة الغربية والقدس، وهذه الوحدة ليست مطلبا تفاوضيا، بل أساس الوجود الوطني، وقاعدة أي حل سياسي، وشرط لا يمكن الالتفاف عليه مهما تنوعت وتعددت المبادرات والصفقات والضغوط.

ولا يكتمل المشهد من دون قراءة التحول الدولي، الذي بات واقعا ملموسا: دول جديدة تعترف بدولة فلسطين، برلمانات أوروبية تغير مواقفها، أحزاب تعيد قراءة التاريخ وتستجيب لمظلومية الفلسطينيين حتى إن هذا التحول بدأ يطرق باب الحزب الجمهوري الأميركي الأكثر تشددا في دعم الاحتلال، وحكومات ترفع صوتها لأول مرة دفاعا عن حق تقرير المصير، واليوم 160 دولة تؤكد أن فلسطين دولة قائمة بالحق، تنتظر التنفيذ العملي للاعتراف. هذه الموجة ليست حركة دبلوماسية عابرة، بل انعكاس لتحول في الوعي العالمي، الذي أصبح يرى الاحتلال بوضوح أكبر ويدرك أن استمرار الوضع القائم أصبح مستحيلا.

لم يقتصر التحول على الحكومات؛ الشارع العالمي نفسه أعاد تعريف التضامن، مسيرات ضخمة في العواصم، جامعات تنتفض دفاعا عن غزة قلب فلسطين النابض، مؤسسات حقوقية تكشف ما كان محجوبا، وأصوات فنانين وكتاب وأكاديميين تكسر الخطوط الحمراء وتعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية، هذا الزخم الشعبي بات رافعة سياسية حقيقية، يغير اتجاهات الرأي العام ويجبر الحكومات على التعامل بجدية مع فلسطين وقضيتها.

وفي هذا السياق، يواصل الموقف الفلسطيني التأكيد على أن الطريق واضح مهما حاول البعض تعقيده: لا حلول ناقصة، ولا كيانات مجتزأة، ولا ترتيبات شكلية، الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هي الحل الوحيد المتسق مع القانون الدولي. ومع كل تصعيد إسرائيلي، تتجدد الدعوة لإنهاء الاحتلال كاملة، لأن لا استقرار بلا عدالة، ولا سلام بلا اعتراف كامل بالحقوق.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز الدور المحوري للمسار السياسي والدبلوماسي والقانوني الذي يقوده السيد الرئيس محمود عباس– قائد المسار والمسيرة، الذي شكل حضوره الدولي وحنكته وخبرته السياسية عنصرا ثابتا في حماية الكينونة الفلسطينية. فمن خلال قيادته الحكيمة وتحركاته الدبلوماسية المدروسة، واستراتيجيته في الصمود والصبر التي شكلت عنصرا مركزيا في درء مخاطر وكوارث أكبر تستهدف المواطن الفلسطيني، حافظ الرئيس على مكانة فلسطين في المؤسسات الدولية، وعزز الاعتراف بحقوقها المشروعة، ورسخ بقاء القضية الفلسطينية في صدارة المشهد العالمي رغم كل التحديات، وبفضل جهوده، باتت الدبلوماسية الفلسطينية أكثر قدرة على بناء التحالفات وحماية الثوابت الوطنية وإبقاء مشروع الدولة حاضرا وفاعلا.

وهكذا، يتحول اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني من مناسبة عابرة إلى لحظة مواجهة مع الحقيقة: الشعب الفلسطيني لا يطالب بأكثر من حقه، الحق الذي يعرفه العالم، ويهتف به الناس في الشوارع، وتؤكده الشرعية الدولية. والموقف الرسمي الفلسطيني يدخل هذا اليوم أكثر وضوحا وثباتا، مسلحا بروايته الوطنية، ووحدته، ودعم شعبي ودولي غير مسبوق.

والرسالة الأخيرة تبقى واحدة: فلسطين حاضرة في الوعي العالمي، والقضية لم تعد هامشية، والدولة لم تعد بعيدة كما قال الرئيس أبو مازن في مؤتمر الشبيبة. وبين صمود الشعب، والتحولات الدولية، والموقف الرسمي الراسخ، يقترب الحق من لحظته… فالأرض تعرف أصحابها، والشرعية تعرف طريقها، وفلسطين تعرف أنها ستصل مهما طال الطريق.

شاركها.