كشفت تدوينة تفاعلية نشرتها صفحة إخبارية تعنى بالشأن المحلي بمدينة دمنات عن واقع مأساوي تعيشه النساء الحوامل داخل أسوار مستشفى القرب، حيث تحولت لحظات استقبال الحياة الجديدة إلى رحلات عذاب محفوفة بالمخاطر نحو مدن أخرى، وهو ما وثقته عشرات الشهادات الحية لنسوة وجدن أنفسهن ضحايا لتشخيصات طبية متضاربة وقرارات إحالة فورية صوب أزيلال ومراكش والقلعة، في الوقت الذي اعتبر فيه فاعلون حقوقيون أن ما يجري يعد انتهاكا صارخا للحق في الصحة والكرامة الإنسانية.

روت إحدى الأمهات تفاصيل تجربتها المريرة التي كادت تودي بحياة جنينها، حين توجهت إلى المستشفى وهي تشعر بآلام المخاض، لتواجه بقرار الطاقم الطبي الذي جزم بأن موعد ولادتها لم يحن بعد وعليها العودة بعد أسبوع كامل، وهو التشخيص الذي لم تقبله الأم وزوجها اللذان توجها مباشرة عبر سيارة أجرة إلى مدينة قلعة السراغنة، لتضع مولودها فور وصولها، حيث أكدت لها الطبيبة المشرفة هناك أن أي تأخير في الولادة كان سيعرض الجنين لخطر محقق، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول كفاءة التشخيص الأولي الذي تلقته في مدينتها.

وأوضحت سيدة أخرى في شهادتها حجم الرعب الذي عاشته بعد انفجار كيس الماء الجنيني في ساعة متأخرة من الليل، إذ قوبلت برفض استقبال حالتها بدعوى عدم جاهزيتها للولادة وحاجتها لعلاجات أولية في مدينة أخرى، ولم يتم السماح لها بالمغادرة إلا بعد تدخلات وضغوطات عائلية ومهنية، لتنتهي فصول معاناتها بالانتقال عبر سيارة إسعاف إلى مصحة خاصة، حيث وضعت مولودها في صباح اليوم التالي بعد ساعات طويلة من الألم النفسي والجسدي والخوف من الموت، وهي الحالة التي كان يمكن التعامل معها محليا لولا سياسة التوجيه المتسرع.

ونقلت شهادة ثالثة صورة قاتمة عن التخبط في اتخاذ القرارات الطبية، حين توجهت سيدة للاطمئنان على موعد ولادتها ليتم إخبارها بضرورة نقلها كحالة مستعجلة إلى أزيلال لإجراء عملية قيصرية، مما أدخل عائلتها في حالة استنفار وهلع كبيرين، لتكون المفاجأة عند وصولها إلى المستشفى الإقليمي بأزيلال بأن حالتها مستقرة ولا تستدعي أي تدخل جراحي عاجل، حيث بقيت تحت المراقبة الطبية لمدة ستة أيام كاملة قبل أن تضع مولودها بشكل طبيعي وعن طريق الطلق الصناعي، لتعود إلى بيتها بعد رحلة علاجية شابها الكثير من القلق والانتظار غير المبرر.

وأشارت شهادات متطابقة أوردها المصدر ذاته إلى أن معاناة التنقل تزداد حدة بالنسبة للنساء القادمات من النواحي والقرى المحيطة بدمنات، حيث تتحول المسافات القصيرة إلى ساعات من العذاب، وفي سياق متصل أكدت سيدة تدعى أم عمران أنها اضطرت للتوسل والبكاء أمام الأطقم الطبية لعدم ترحيلها إلى أزيلال في وقت متأخر من الليل، خاصة بعد أن رأت سيدة أخرى يتم نقلها في اتجاه المستشفى الإقليمي، وقد أثمر إصرارها عن قبول توليدها محليا من طرف قابلة بالمستشفى.

وفي هذا السياق، أكد محمد قابة رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بدمنات، في تصريح لجريدة العمق، أن الوضع الصحي الحالي يتسم بانتهاك الحق في خدمات صحية قريبة وآمنة، منتقدا بشدة الإحالات المتكررة للنساء الحوامل من مستشفى القرب صوب مرافق صحية بعيدة في ظروف نقل صعبة، معتبرا أن نقل الحوامل لمسافات طويلة يجب أن يظل استثناء يخضع لبروتوكولات طبية صارمة ومرافقة مناسبة، وليس قاعدة عامة للتغطية على ضعف التجهيزات أو نقص الموارد البشرية، داعيا الجهات المعنية من مندوبية الصحة وسلطات محلية إلى فتح تحقيق فوري في أسباب هذه الإحالات ونشر تقرير مفصل حول إمكانيات المستشفى الحالية لضمان سلامة الأمهات والأجنة.

وكشفت معطيات حصلت عليها جريدة “العمق” عن الأسباب الخفية وراء استمرار معاناة النساء الحوامل بمدينة دمنات، حيث تبين أن الشلل التام الذي أصاب المركب الجراحي بمستشفى القرب لا يعود لغياب الأطباء المتخصصين كما كان يشاع، بل يرجع بالأساس إلى نقص حاد في الأطر التمريضية المتخصصة وأطر التخدير والإنعاش.

وأوضحت مصادر جريدة “العمق” تفاصيل هذا الخلل البنيوي، مؤكدة أن المستشفى يتوفر حاليا على طبيبين متخصصين، إلا أن دورهما يقتصر قسرا على تقديم الاستشارات الطبية فقط دون إجراء العمليات الجراحية، نظرا لاستمرار إغلاق المركب الجراحي “البلوك” بسبب غياب طاقم التخدير والإنعاش والممرضين متعددي التخصصات، وهو ما يجعل التدخلات الجراحية المستعجلة، كالعمليات القيصرية، أمرا مستحيلا محليا، ويفرض خيار التوجيه نحو مدن أخرى كحل وحيد أمام الحالات الحرجة، رغم توفر الأطباء الجراحين، وفق تعبيرها.

وفي وقت سابق قالت مصادر أخرى في توضيحات لجريدة “العمق” إن السبب الرئيسي وراء تأخر افتتاح المركب الجراحي ومصلحة الجراحة في مستشفى القرب بمدينة دمنات يعود بشكل أساسي إلى النقص الحاد في الموارد البشرية، على الرغم من توفر جميع التجهيزات والمعدات البيوطبية اللازمة.

وأوضحت المصادر أن تفتيشية جهوية حديثة وقفت على حقيقة إغلاق قسم الجراحة والمركب الجراحي، وأعد المفتش تقريرا مفصلا أرجع فيه السبب إلى الخصاص في الأطر الطبية والتمريضية، مشيرة إلى أن المستشفى مجهز بالكامل من حيث المعدات وقاعات الجراحة، لكن غياب العنصر البشري يحول دون تشغيله.

وأكدت المصادر أن تشغيل قسم العمليات بنظام الحراسة المستمرة (24/24 ساعة) يتطلب ما لا يقل عن ثمانية ممرضين متعددي التخصصات وأربعة أخصائيين في التخدير والإنعاش لتشكيل أربعة فرق متناوبة، وهو عدد غير متوفر حاليا في المستشفى.

المصدر: العمق المغربي

شاركها.