منتدى الإعلام السوداني

شمال دارفور، 29 نوفمبر 2025، () بعيون دامعة وقلب منفطر، تنظر كلتوم إسحق إلى السماء، وهي تجلس تحت ظل شجرة، تتأمل الفراغ الذي تركه رحيل أحبتها. فقدت كل شيء: أبناءها، زوجها، عائلتها بأكملها. لم يبق لها سوى ذكريات مؤلمة وحزن لا يفارقها.

هربًا من جحيم الحرب في الفاشر، سارت كلتوم مع أسرتها نحو مدينة طويلة، غرب الفاشر، لكن لعنة الرصاص كانت لها بالمرصاد.

أثناء رحلتهم، تعرضوا لهجوم  عنيف من بعض عناصر الدعم السريع الذين أطلقوا النار على ابنيها دون أن يرتجف لهم جفن أو تأخذهم بهما رأفة، رغم صرخات الاستغاثة التي أطلقتها بأن لا يقتلوهم. ولكن دون جدوى.

وتقول كلتوم لـ(التغيير): إن جنودا من الدعم السريع أطلقوا النار على ابنيها لحظة مغادرتها مدينة الفاشر بعد سقوطها في يد الدعم السريع، بتهمة الانتماء للجيش و(القوات المشتركة). وتضيف: “فقدت زوجي في مدينة الفاشر قبل ثلاثة أشهر بسبب قصف مدفعي استهدف مخيم أبو شوك الذي كنا فيه”. وتابعت: “بعد أن فقدت زوجي وأبنائي، كيف سأستمر في الحياة، كيف سأعيش من دونه”.

الطريق إلى طويلة.. مخاطر تتربص بالفارين

تجسد معاناة كلثوم واقعًا مريرًا تعيشه آلاف الأسر التي فقدت أحباءها في رحلة النزوح من الفاشر إلى طويلة، عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في أواخر أكتوبر 2025. كما تعكس قصتها المأساوية الواقع الأليم الذي عاشه سكان الفاشر، لأكثر من عامين، حيث عانوا من حصار خانق وانتهاكات جسيمة.

وتقول رفقة سليمان في حديثها لـ(التغيير): “فقدت والدي في رحلة النزوح بعد أن غادرنا مدينة الفاشر بصعوبة، ودُفن في الطريق قبل وصولنا إلى منطقة طويلة”. وأضافت أن مجموعات مسلحة أوقفت ابن خالها محمد عثمان، وطلبت فدية بقيمة مليار جنيه (نحو 300 دولار) لإطلاق سراحه. وأوضحت أنهم عجزوا عن دفع هذا المبلغ بعد أن خرجوا من الفاشر بالملابس التي كانوا يرتدونها فقط، ولا يزال مصير ابن خالها محمد مجهولًا.

وأشارت رفقة إلى أنها تعرضت لمصاعب جمّة من قبل قوات الدعم السريع، حيث خضعت هي ومجموعة من النساء لتفتيش دقيق شمل حتى المناطق الحساسة، وتعرض بعض النساء للاغتصاب والعنف الجنسي.

اغتصاب وإطلاق نار

تلك الرواية يؤكدها الناطق باسم النازحين واللاجئين في إقليم دارفور آدم رجال، حيث ذكر في حديثه لـ(التغيير): أن النساء اللاتي وصلن إلى منطقة طويلة تعرضن لعنف جنسي واغتصاب، وتفتيش دقيق في المناطق الحساسة.

وقال رجال إن نحو 500 شخصًا أدخلوا إلى مستشفى طويلة، جزء منهم مصاب بأعيرة نارية وآخرون تعرضوا لعنف جنسي. وأضاف: إن الناجين من الفاشر يحتاجون إلى دعم نفسي عاجل لما شاهدوه من فظائع وقتل وتنكيل.

وأكد أن قوات الدعم السريع أطلقت الرصاص الحي على الفارين من مدينة الفاشر. وأوضح أن النازحين في طويلة يحتاجون إلى الغذاء والدواء والكساء ومياه الشرب النظيفة والصرف الصحي، لأن آلاف النازحين يقضون حاجاتهم في العراء، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض.

طويلة لازالت تستغيث

في السياق ذاته، أكد المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان، عدنان حزام، أن اللجنة تركز جهودها على آلاف النازحين الوافدين إلى منطقة طويلة، الذين يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة السوء.

وقال عدنان في حديثه لـ(التغيير): “تفتقر المنطقة لأبسط مقومات الحياة، بما في ذلك مياه الشرب النظيفة ومواد الإيواء”.

وأوضح أن نزوح سكان الفاشر ليس وليد الأيام الماضية، بل امتد لأشهر طويلة بحثًا عن الأمان والمأوى.

وأضاف: “تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتعاون مع شركائها من الهلال الأحمر السوداني والمنظمات العاملة في طويلة، على التخفيف من المعاناة والاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة”.

وأشار إلى أن تزايد تدفق آلاف الأسر إلى طويلة ألقى بعبء إضافي على المنظمات الإنسانية، خاصة فيما يتعلق بتوفير المأوى، حيث يضطر المواطنون للنوم في العراء.

ولفت عدنان إلى أن الأحداث في الفاشر وكردفان أثرت بشكل كبير على الوضع الإنساني في السودان، وأن منطقة طويلة تعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية. وشدد على أن الصليب الأحمر يحشد جهوده للاستجابة العاجلة لاحتياجات النازحين، مع التركيز على توفير الحماية لهم في ظل هذه الظروف الصعبة.

موجات نزوح

أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن عدد النازحين في مدينة طويلة بولاية شمال دارفور تجاوز 600 ألف شخص خلال عام واحد فقط، نتيجة تصاعد القتال المستمر في السودان. وأضافت المنظمة أن مدينة الفاشر شهدت انخفاضًا في عدد سكانها بنسبة 62%، بعد موجات نزوح كبيرة باتجاه مناطق أكثر أمنًا داخل الإقليم وخارجه. وأكدت أن الأوضاع الإنسانية في دارفور تزداد سوءًا مع استمرار النزاع، حيث تعاني الأسر النازحة من نقص حاد في الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية.

كما حذّرت المنظمة من أن استمرار تدهور الأوضاع الأمنية سيؤدي إلى موجات نزوح إضافية ويضاعف من معاناة المدنيين، داعية المجتمع الدولي إلى تقديم دعم عاجل لجهود الإغاثة.

بارا واستهداف المدنيين

وفي المقابل، شهدت مدينة بارا مجازر مماثلة لتلك التي حدثت في الفاشر، حيث استهدفت قوات الدعم السريع المدنيين بشكل مباشر، وتعرضت بعض الأحياء لإبادة جماعية، مما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا، معظمهم من الشباب، فضلًا عن وجود أعداد كبيرة من المفقودين بين المدنيين.

ويقول الناشط الطوعي محمد الأمين لـ(التغيير)، إن مدينة بارا بولاية شمال كردفان تشهد أوضاعًا إنسانية سيئة للغاية بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة. وأشار إلى أن القوات مارست القتل والنهب والتهجير القسري للمدنيين، وقيّدت حركة المواطنين داخل المدينة.

وأوضح أن بعض المواطنين يغادرون المدينة ليلًا خوفًا من انتقام الدعم السريع، حيث وصل بعضهم إلى مدينة الأبيض بعد قطع عشرات الكيلومترات سيرًا على الأقدام في ظروف صحية سيئة، مما استدعى إدخال بعضهم لتلقي العلاج في مستشفيات مدينة الأبيض.

وأكد الناشط الطوعي أن الدعم السريع تمنع وصول المواد الغذائية إلى المدينة، انتقامًا من المدنيين، كما قامت بتدمير مصادر المياه داخل بارا.

يذكر أن الجيش والدعم السريع تبادلا السيطرة على مدينة بارا خلال الشهرين الماضيين وفي كل مرة تعرض المدنيون للانتهاكات من الطرف المسيطر.

وتشير مصفوفة تتبّع النزوح التابعة لمنظمة الهجرة الدولية إلى أن 36 ألف شخص نزحوا من مدينة بارا وبلدة أم دم حاج أحمد في شمال كردفان عقب تقدّم قوات الدعم السريع.

وأوضحت المنظمة الدولية أن النزوح شمل محليات الرهد وأم روابة وشيكان وأم دم حاج أحمد في شمال كردفان، مشيرةً إلى أن الأوضاع في هذه المناطق متوترة وغير مستقرة.

تكدس الجثث

وفي الأثناء، قالت شبكة أطباء السودان في “بيان” إن قوات الدعم السريع قامت بتصفية مئات المدنيين داخل مدينة بارا، اتهموا بالتعاون مع الجيش. وأشارت إلى أن عشرات الجثث مكدسة داخل المنازل ببارا وأن الدعم السريع يمنع ذوي الضحايا من الاقتراب منها.

وأوضحت أن الأحياء محاطة بالرعب والجوع والعطش. كما تتزايد أعداد المفقودين يوميًا، مع انقطاع كامل للاتصالات وانعدام أي وجود طبي أو إنساني فاعل في المدينة.

مجازر مروعة

من جهته، قال عضو “محامو الطوارئ” محمد صلاح بناوي لـ(التغيير): إن قوات الدعم السريع ترتكب مجازر مروعة في مدينتي الفاشر بولاية شمال دارفور، وبارا بولاية شمال كردفان، منذ سيطرتها على المنطقتين، مستهدفة المدنيين والأسرى. وأشار إلى أن الأحداث صادمة ومتكررة، حيث استهدفت الدعم السريع المدنيين بصورة مباشرة، مما أدى لوقوع إبادة جماعية.

وأوضح بناوي أن الدعم السريع طاردت الفارين وقامت بتصفيات ميدانية بزعم انتمائهم للجيش والقوات المشتركة، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. ولفت إلى أن “محامو الطوارئ” تدين هذه الجرائم الممنهجة ضد المدنيين، وتحمل قيادة المجموعات المسؤولية القانونية الكاملة عن الجرائم والانتهاكات.

جرائم حرب

وأوضح أن “محامو الطوارئ” دعت المجتمع الدولي، وبعثة الأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية، للتحرك العاجل لوقف المجزرة وحماية المدنيين. وقال بناوي إن الجرائم صاحبتها خطابات تحريضية خطيرة من المناصرين للمجموعات المسلحة، تحث على القتل والتصفية على أساس الهوية والانتماء، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، وتشكل تحريضًا مباشرًا للاستمرار في جرائم الحرب. وأكد أن العدالة قادمة، وأن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ومن المستحيل أن تمر دون مساءلة.

واقع مرير

تجسد قصص كلتوم ورفقة وغيرهن من الناجيات من مجازر الدعم السريع، الواقع المرير الذي تعيشه النساء في إقليم دارفور، حيث يكتوي المواطنون بنيران الحرب لأكثر من عقدين من الزمان. رغم مرور السنوات، لا يلوح في الأفق أي ضوء يشير إلى نهاية لتلك المأساة المستمرة.

تتساءل الأسر النازحة: هل تكون حرب منتصف أبريل 2023، نهاية لتلك المعاناة، أم أنها ستستمر بوتيرة أكثر شراسة من ذي قبل؟ تظل الإجابة معلقة، بينما تواصل النساء في دارفور مواجهة الفقد والتهجير والانتهاكات، في ظل غياب الحلول التي تنهي معاناتهن وتعيد لهن السلام والأمان.

أطفال في مشهد الحرب

في الأيام الأخيرة، أثارت مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي في السودان موجة من الجدل، بعد ما أظهرت أطفالًا يحملون السلاح ويرددون شعارات سياسية لا يدركون معناها. هذه المشاهد التي تتزامن مع دعوات إلى التعبئة العامة والاستنفار عقب سقوط مدينة الفاشر، فتحت الباب واسعًا أمام النقاش حول أخلاقيات الزجّ بالأطفال في النزاعات المسلحة، ومآلات ذلك على مستقبلهم النفسي والاجتماعي.

في هذا السياق، أصدرت حملة نساء ضد الظلم بيانًا جددت فيه حملتها ضد التسليح، وأكدت رفضها القاطع لما أسمته “محاولات إعادة إنتاج الحرب وتوظيف الخوف الشعبي لإحياء منظومة العنف”.

وجاء في البيان أن “السودان لا يحتاج مزيدًا من البنادق، بل يحتاج وعيًا وتنظيمًا مدنيًا ومحاسبة عادلة”، محذرًا من أن “أي محاولة لتسليح المدنيين تمثل خطوة مباشرة نحو حرب أهلية شاملة”.

بين الجهل بحقوق الأطفال وتوظيفهم في صراعات الكبار

يرى خبراء التربية أن إشراك الأطفال في بيئة الحرب أو الخطاب السياسي يشكل خطرًا بالغًا على تكوينهم النفسي والاجتماعي.

تقول الدكتورة ليلى بن عيسى، أستاذة علم النفس التربوي: عندما نُقحم الطفل في عالم الكراهية والعنف، نحرم المجتمع من جيل سويّ قادر على الإبداع والحوار. هذه الممارسات تزرع الخوف والعدوانية بدلًا من القيم الإنسانية التي يجب أن يتعلمها الطفل.

وتضيف أن استخدام الأطفال في الدعاية السياسية أو العسكرية يخلق خللًا في وعيهم الاجتماعي، وقد يؤدي إلى اضطرابات سلوكية وصعوبات في التكيف مستقبلاً.

وفي تصريح خاص لموقع التغيير، أوضح الخبير العسكري اللواء المتقاعد وليد عزالدين أن تجنيد الأطفال أو إشراكهم في أي عمل عسكري يُعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني.

تجنيد الأطفال هو عمل محظور دوليًا ويصنف ضمن جرائم الحرب. أي طفل يقل عمره عن 18 عامًا يُستخدم في أي عمل شاق أو عسكري يعتبر ضحية لانتهاك صريح للقوانين الدولية.

وأوضح اللواء عزالدين أن القانون السوداني نفسه ينص على أن سن التجنيد يبدأ من 18 حتى 21 عامًا، وأي تجاوز لذلك يضع القائمين عليه تحت طائلة العقوبات الدولية، سواء الاقتصادية أو الفردية.

وأضاف أن تجنيد الأطفال لا يضر فقط بالأمن الدولي، بل يدمّر البنية النفسية والتعليمية والاجتماعية للمجتمع، إذ يفقد الأطفال فرصهم في التعليم السوي ويُعرّضهم لمشاهد العنف والبشاعة التي تترك آثارًا لا تُمحى في ذاكرتهم.

وتابع الخبير العسكري حديثه قائلًا: هذه الظاهرة ليست جديدة على السودان، إذ تم التلاعب بقانون الخدمة الوطنية في فترات سابقة وتم تجنيد أعداد من الأطفال خلال حرب الجنوب. وهو ما أدى لاحقًا إلى اتهامات دولية وفتح ملفات في المحكمة الجنائية الدولية ضد مسؤولين في النظام السابق عام 2009.

وأكد أن الحرب الحالية أظهرت استمرار بعض الأطراف في تجاوز القوانين والمواثيق الإنسانية، من خلال عمليات الاستنفار والتجنيد القسري التي تشمل أطفالًا قصر، وهو أمر يتطلب تحركًا عاجلًا من جميع المنظمات المحلية والدولية لوقف هذا الفعل الخطير.

وأشار إلى أن تجنيد الأطفال يقوّض السلم الاجتماعي ويُعزز دوائر الفقر والجهل والخوف داخل المجتمع السوداني.

وختم اللواء عز الدين تصريحه قائلًا: نحن كسودانيين نعاني من هذا الخسران الكبير، في مجتمع تسوده الفوضى وقلة الوعي، ما يجعل الأسر عاجزة عن حماية أبنائها من الاستغلال. نناشد المجتمع الدولي والمحلي أن يرفع صوته من أجل السلام ووقف الحرب وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، حتى نُنقذ ما تبقى من جيل أطفالنا.

ويرى باحثون اجتماعيون أن صمت أولياء الأمور أمام هذه الممارسات يعود إلى الخوف من الجماعات المسلحة أو الجهل بخطورة التأثير النفسي على الطفل. فالكثير من الأسر تعيش تحت ضغوط الحرب والفقر، ما يجعلها أكثر تقبلًا للدعاية التي تبرر إشراك أبنائها في النزاع، لكن حماية الطفل مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة وتمتدإلى المجتمع والدولة.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء هذه المادة من إعداد () التي تكشف وتؤكد ما قامت به قوات الدعم السريع من فظائع مروّعة ضد الفارين من مدينتي الفاشر وبارا، شملت القتل والاغتصاب والتصفية الميدانية.

الناجيات يروين قصصًا مؤلمة عن فقدان الأبناء والأزواج، وتفتيش مهين واعتداءات جنسية واسعة، إلى جانب ما تعانيه مناطق النزوح، خاصة طويلة، من أوضاع إنسانية كارثية مع نقص الغذاء والماء والمأوى وتكدس الجثث وانعدام الخدمات. كما يسلّط الضوء على تجنيد الأطفال واستخدامهم في الدعاية المسلحة، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية، ما يهدد مستقبل جيل كامل في السودان.

المصدر: صحيفة التغيير

شاركها.