من يتابع المشهد السياسي والأمني المتعلق بقطاع غزة يدرك أنّ ما يُعلن رسمياً ليس سوى جزء صغير جداً مما يجري بالفعل خلف الأبواب المغلقة. فغموض الموقف الأمريكي، والضبابية التي تحيط بكل ما يتعلق بـ”اليوم التالي” للحرب، لم يعودا مجرد ملحوظة صحفية أو فجوة معلوماتية، بل أصبحا بنية متعمدة وركناً أساسياً في الطريقة التي تقود فيها الولايات المتحدة عملية صياغة مستقبل القطاع. هذا الغموض ليس عارضاً، وليس نتيجة ارتباك أو خلافات داخل الإدارة الأمريكية، بل هو عنصر وظيفي في إدارة مرحلة انتقالية تريد واشنطن أن تكون هي صاحبة مفاتيحها الوحيدة.

أخطر ما في المرحلة الراهنة هو  ما يدور داخل مركز التنسيق المدني العسكري، ذلك الكيان الذي بات يجمع ممثلين عن أكثر من خمسين دولة، إلى جانب خبراء استراتيجيين، ومستشارين عسكريين، وضباط استخبارات غربيين. هذا المركز، الذي يُقدَّم إعلامياً باعتباره إطاراً لـ”تنظيم المساعدات” أو “ضمان الاستقرار”، يكشف في الحقيقة حجم الانخراط الدولي في صياغة هندسة أمنية جديدة لقطاع غزة، هندسة تتجاوز بكثير السرديات الإنسانية أو الادعاءات الإسرائيلية حول “محاربة الإرهاب”.

وجود هذا العدد الكبير من الدول، بهذا المستوى من الخبرة، لا يمكن تفسيره من خلال أي سردية بسيطة. نحن أمام غرفة عمليات متعددة الجنسيات تعمل على رسم خطوط وخطط لا يملك الفلسطينيون حق الاطلاع عليها، فضلاً عن المشاركة في صياغتها. الأدق القول إن الولايات المتحدة تُنشئ ـ عبر هذا المركز ـ منظومة أمنية دولية تُستخدم لتدجين سيناريوهات المستقبل، وتثبيت واقع جديد على الأرض، واقع قد لا يشبه غزة التي عرفناها من قبل لا سياسياً ولا أمنياً.

ومن خلال تتبّع التحركات الأمريكية في الأشهر الماضية، يمكن قراءة عدة مؤشرات واضحة: الأول، أنّ واشنطن مصممة على منع عودة حركة حماس إلى الحكم بأي صيغة كانت. الثاني، أنّها تعمل على صياغة هيكل أمني جديد، ربما يكون هجينا بين قوات محلية معدّلة، وعناصر تعود لبعض الأجهزة السابقة، مع إشراف دولي ـ أميركي بالدرجة الأولى ـ يمسك بالمفاصل الحساسة. الثالث، أنّ الملف الأمني في غزة سيبقى منفصلاً عن أي مسار سياسي واسع، بما في ذلك مسألة السيادة والحدود ووقف الاستيطان في الضفة.

هذه المؤشرات لا تأتي في إطار سيناريوهات افتراضية، بل تُظهرها طبيعة النشاط داخل مركز التنسيق الأمني: تدريبات مشتركة، حضور لخبراء في مكافحة التمرد، اجتماعات مغلقة تشمل ضباط استخبارات من دول أوروبية وآسيوية، ورقابة مباشرة على حركة البضائع والمعابر، إضافة إلى نقاشات تدور حول تشكيل “أمن حدودي” بترتيبات جديدة على امتداد محور صلاح الدين. كل ذلك يعني أن الولايات المتحدة لا تتحرك وفق ردّ فعل على واقع قائم، بل تخطّط لخلق واقع جديد، وتعمل على ضمان أنّ هذا الواقع سيخدم أولوياتها وأولويات إسرائيل.

لكن في موازاة كل ذلك، تبدو الأرض أكثر انكشافاً من أي وقت مضى. فقد مرّ أكثر من خمسين يوماً على الإعلان عن وقف إطلاق النار، لكن كل ما كان يُفترض أنه “هدوء” تحوّل إلى سلسلة خروقات يومية تنفذها القوات الإسرائيلية: اغتيالات، قصف محدود، إطلاق نار على المزارعين والصيادين، واقتحامات متكررة تُبقي الموت حاضراً وإن تغيّر شكل الحرب. فوقف إطلاق النار تحوّل إلى غطاء لعمليات عسكرية منخفضة الوتيرة، بينما الحصار بقي على حاله، خصوصاً مع استمرار إغلاق معبر رفح ومنع دخول الإمدادات الحيوية.

هذا الواقع يعمّق شعور الفلسطينيين بأن كل ما يجري خلف الكواليس هو استمرار للحرب بأدوات أخرى، وأن وقف النار لم يكن سوى استراحة تقنية تسمح لإسرائيل بإعادة تموضعها، ولواشنطن بإتمام هندسة “اليوم التالي” بعيداً عن صخب الميدان. ففي ظل الحصار المشدد، لم يطرأ أي تحسن حقيقي على الوضع الإنساني، لا في الكمّ ولا في النوع. ملامح المجاعة تتسع، وغالبية السكان باتوا يعتمدون بالكامل على مساعدات شحيحة لا تدخل إلا عبر قيود أمريكية–إسرائيلية مشتركة.

والمشكلة لا تتعلق بالغذاء فقط، بل بالأدوية والمياه والخدمات الأساسية. فبحسب منظمة الصحة العالمية، ما يصل القطاع لا يتجاوز 10% من الاحتياجات الطبية الفعلية، بينما تزداد المخيمات ازدحاماً مع دخول فصل الشتاء. النازحون يواجهون الأمطار داخل خيام مهترئة، وغرق بعض المخيمات خلال الأيام الماضية كان تعبيراً فاضحاً عن انهيار البنية التحتية الإنسانية التي تُترك عمداً في حالة عجز.

ولذلك، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ما طبيعة المستقبل الذي يُرسم لغزة؟
حتى الآن، لا توجد وثيقة رسمية واحدة توضح الخطوط العريضة لهذا المستقبل، ولا رؤية تُطرح على الفلسطينيين لتكون محل نقاش أو تفاوض. ما يُقدم لهم عبارات مبهمة مثل “نظام أمني جديد” و“إدارة محلية” و“آليات استقرار”، من دون شرح لطبيعة هذه الإدارة أو القوى التي ستشرف عليها، وما إذا كانت غزة ستكون جزءاً من مسار سياسي شامل أم منطقة أمنية معزولة بصياغة أمريكية–إسرائيلية.

بهذا الغموض تحافظ واشنطن على القدرة الكاملة على تغيير الاتجاه في أي لحظة. فإذا احتاجت إسرائيل إلى وقت إضافي، يطول الغموض. وإذا أرادت واشنطن تمرير ترتيبات جديدة، يبقى المشهد غامضاً حتى اللحظة التي يصبح فيها الإعلان مفروضاً كأمر واقع. الفلسطينيون وحدهم خارج الحسابات، عالقون بين حاضر دموي ومستقبل لا يُسمح لهم برؤيته.

ما يجري اليوم ليس إعادة إعمار ولا نقاشاً حول شكل الحكم بقدر ما هو إعادة تأسيس لمنظومة أمنية–سياسية قد تمتد لسنوات طويلة، وربما بديلاً لصيغة الاحتلال المباشر. ومع ذلك، يبقى الفلسطينيون خارج أي إطار رسمي أو غير رسمي يمكّنهم من المشاركة في تحديد ملامح واقعهم القادم.

الغموض الأمريكي ليس مجرد ستار، بل هو سياسة. وما لم يُكسر هذا الستار، ويُفتح المجال أمام نقاش فلسطيني إقليمي حقيقي، ستظل غزة تتحرك نحو مستقبل يُصاغ بعيداً عن الأرض وأصحابها، مستقبل تقوده واشنطن وتدعمه عشرات الدول من داخل غرفة تنسيق أمنية لا يعرف أحد حتى الآن ما الذي يخرج منها، وإلى أين تريد أن تأخذ القطاع.

شاركها.