كيف استمر نهب الأراضي بعد إجهاض ثورة ديسمبر؟

تاج السر عثمان بابو

1

بيّنا وفصلنا في دراسة سابقة عن نهب الأراضي في السودان، المتغيرات التي حدثت في الفترة: “2008 2018″، وبعد الأزمة الاقتصادية لعام 2008، وخاصة بعد انفصال الجنوب وفقدان البلاد لـ 75% من عائد النفط، واحتياج حكومة البشير لنهب موارد جديدة، منح السودان ملايين الأفدانة لمستثمرين من السعودية والامارات وتركيا والصين والأردن، قطر، مصر، لبنان، الكويت، وسوريا، والتي استحوذت على مساحات شاسعة من الأراضي لإنتاج المحاصيل الغذائية والأعلاف الحيوانية مثل البرسيم، والوقود الحيوي، فضلا عن تقلص مواردنا المائية.

وهي في الواقع عملية نهب للأراضي لأنها تستنزف خصوبة التربة والمياه الجوفية في سلب واضح لحقوق المجتمعات المحلية التي تعتمد على الأرض في الرعي الزراعة للاكتفاء من الغذاء، رغم طلب الحكومة بتخصيص 25% من أراضي الاستثمار للمجتمعات المحلية الا أن ذلك لم يتم بالشكل المطلوب، واستمر نهب أراضي السكان المحليين وطردهم من اراضيهم.

2

بعد انقلاب اللجنة الأمنية في 11 أبريل 2019 واصلت السلطة في السياسة نفسها، كما في إعلان البرهان منح تركيا 100 الف هكتار للاستثمار في السودان، وبقية المشاريع مثل مشروع الهواء الزراعي، واعطاء ميناء “ابو عمامة” لمصلحة الإمارات الذي وجد مقاومة واسعة من المجتمعات المحلية وقوى ثورة ديسمبر وغيره.. إضافة لتنازل البرهان دون شرعية عن حلايب وشلاتين وابو رماد لمصر الذي وجد رفضا واسعا. الخ.

لم يكتف نظام الانقاذ بنهب الأراضي الزراعية، بل امتد النهب لما في باطن الأرض من معادن وبترول، ومارست الإبادة الجماعية وتدمير البيئة لهذا الهدف كما في استخراج البترول والذهب.

في فترة إنتاج البترول وتصديره في عهد الإنقاذ لم يتم الاستفادة من عائدات النفط في دعم الإنتاج الزراعي والصناعي والحيواني والبنيات الأساسية لأن النفط ثروة ناضبة، بل تم نهب عائدات البترول من الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، وتهريبها للخارج، إضافة لنهب ثروات السودان وصب الزيت على لهب الصراع في الجنوب، بعد اكتشاف شركة شيفرون الأمريكية للنفط، وتفاقم مشكلة الجنوب بعد أن الغي الديكتاتور نميري عام 1983 اتفاقية اديس أبابا وتقسيم الجنوب، واندلاع الحرب الأهلية من جديد، حتى الانفصال بعد اتفاقية نيفاشا، وكان من أسباب التعجيل به اكتشاف النفط الذي فتح شهية الانفصال بالاستحواذ علي كل عائداته بدلا من اقتسامه، هذا اضافة لتدمير البيئة والغابات، والموارد المائية، وطرد أعداد كبيرة من سكان الجنوب والنوبة من أراضيهم لمرور أنابيب النفط لميناء بورتسودان بواسطة الشركات الصينية وغيرها من المؤسسات التي كانت عاملة في النفط.

3

كما استمرت الممارسات نفسها في نهب ثروة الذهب في السودان، وتهريب أكثر من 70% من عائداته للخارج، علي سبيل المثال: متوسط إنتاج الذهب بين 100 250 طن (صحيفة الشرق الأوسط: 11 يناير 2020)، وتُقدر العائدات بحوالي 8 مليار دولار، في حين التقديرات الرسمية للحكومة بين 82 93 طن (موقع الجزيرة 5/1 / 2017)، بعائدات تُقدر بمتوسط 850 مليون دولار، مما يعكس حجم النهب والتهريب الكيير لعائدات الذهب في السودان، وفقدان الدولة لثروة كبيرة، مما يتطلب اوسع حملة لوضع الدولة يدها علي ثروة الذهب لمصلحة تقدم وتنمية البلاد، حتى لايتم تبديدها كما حدث للنفط. وبعد حرب 15 أبريل 2023 تم الاستمرار في نهب وتهريب الذهب من طرفي الحرب لمصلحة المحاور الاقليمية والدولية التي تسلح طرفي الحرب بهدف نهب ثروات البلاد وإيجاد موطئ قدم لها على ساحل البحر.

ونلاحظ أن عملية نهب الأراضي وابادة وتهجير السكان الاصليين كما يحدث حاليا في دارفور وجنوب النيل الأزرق، وجنوب كردفان وبقية المناطق بهدف نهب الأراضي والموارد، والشروط القاسية التي يعمل فيها المعدنون في استخراج الذهب والذين يتعرضون احيانا للموت والدفن في المناجم نتيجة انهيارها، وفي ظروف عمل اشبة بالاسترقاق بحثا عما يقيم أود الحياة لمصلحة شركات أجنبية وأفراد رأسماليين يحققون أكبر تراكم رأسمالي بدائي من تلك العملية اشبه بما وصفه ماركس في مؤلفه “الرأسمال” المجلد الأول: “إن اكتشاف الذهب والفضة في أمريكا وافناء السكان الأصليين واسترقاقهم ودفنهم في المناجم، وبداية غزو ونهب جزر الهند الغربية، وتحول افريقيا الي منطقة لصيد ذوى الشرة السوداء علي نطاق تجاري، كل ذلك أعلن الفجر الوردي لعصر الإنتاج الرأسمالي” (كارل ماركس، الرأسمال، المجلد الأول موسكو 1974 ‘ص 704″.

4

مما يتطلب مواصلة الضغوط الجماهيرية لوقف الحرب واستعادة مسار الثورة وتحسين شروط الاستثمار، ومراجعة كل العقود التي تصل مدة ايجارها 99 عاما بالنسبة للاراضي، وعقود شركات التعدين التي تصل فيها نسبة الشركات الى 70%، مع تدمير البيئة، وعدم تطوير مناطق التعدين بتسبة من عائدات الذهب وبقية المعادن..

المصدر: صحيفة التغيير

شاركها.