أمد/ ليست الحكمة التي تقول «نرجو ألا يفتي شبعان لجائع ولا آمِن لمضطهد» مجرد بيتًا من حكمة شعبية؛ إنها صفّارة إنذار في وجه طبقة كاملة من المتحدثين باسم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن جوعهم وقهرهم.
هي صرخة في وجه الفصائل، وفي وجه الإدارة العليا للأونروا، وفي وجه أحزاب لبنانية تقف عند أبواب المخيمات لتلقي المواعظ ثم تعود أدراجها إلى دفء السلطة ونعيم المكاتب.

الفصائل… حين يتحوّل الجوع إلى بندقية بلا ذاكرة

كيف يمكن لفصيلٍ مسلّح يعيش قادته خارج المخيم، ويعودون إليه فقط في المناسبات أو عند اشتعال نار لا تمسّ بيوتهم، أن يتحدّث باسم الجائعين؟
الجائع لا يبحث عن بيان عسكري، بل عن دواء لطفله.
لا يطلب “تحالفات” متقلّبة، بل كهرباء تحفظ حياته.
ومع ذلك، نرى الفصائل وقد نصّبت نفسها متحدثًا حصريًا باسم من لم يعد لديه صوت.

بعض هذه الفصائل تتحدّث عن “القرار الوطني المستقل” فيما لا يستطيع اللاجئ أن يتخذ قرارًا بشأن سقف منزله.
تتحدث عن “الثوابت” فيما تهتز حياة الناس عند أول عاصفة.
وتفاخر بـ“الصمود” وهي تتناول غداءها في جلسات محسوبة على حرير.

من لم يلتقط أنفاسه داخل المخيم لا يحق له أن يفتي على من يختنق فيه.

الأونروا… إدارة تتقن لغة التقارير وتنسى لغة الإنسان

أما الأونروا، وتحديدًا إدارتها العامة الحالية، فتعاني من مرض أخطر:
البُعد.
البُعد عن المأساة، البُعد عن الشوارع، عن العيادات، عن المدارس التي تئنّ بصمت.
مديرة عامة تتقن لغة المؤتمرات والبيانات “المضبوطة”، لكنها عاجزة عن سماع دقات قلب أمّ تبحث عن حليب لطفلها.
تعدّ تقارير عن “الاستدامة” فيما حياة المخيمات تنهار من الداخل.

الأدهى من ذلك:
حين تُسأل الأونروا عن الانهيار، تجيب بنبرة الموظّف الرفيع: “نقوم بما نستطيع”.
لكن اللاجئ يسمع الجملة بصيغة أخرى:
“اصبر حتى إشعارٍ آخر… وربما بدون إشعار.”

الأحزاب اللبنانية… جدار أخلاقي مبنيّ على الخوف

أما الأحزاب اللبنانية، فقصتها قصة:
منهم من يرفض الحقوق المدنية بذريعة “الخوف من التوطين”، وكأن الفلسطينيين يطرقون أبواب الوزارات بحثًا عن جنسية لا يريدونها.
ومنهم من يمسك بالمفاتيح السياسية للمخيمات، لكنه لا يفتح بابًا واحدًا لحياة كريمة.
ومنهم من يطالب بنزع السلاح فيما يغضّ الطرف عن سلاح آخر يمرّ من تحت شُرف مكاتبه.

هذه الأحزاب تتقن فنّ التحذير:
“الحذر من الفلسطينيين، الحذر من الحقوق، الحذر من الاندماج.”
لكنها تنسى شيئًا واحدًا:
الحذر من الظلم.
فالظلم حين يطول، لا يهدّد المخيم فقط، بل يهدّد كل مكان ينسى أن للإنسان كرامة لا تُنتزع.

صوت المخيم… الحقيقة التي يخشاها الجميع

حين نقول: “لا يفتي شبعان لجائع ولا آمن لمضطهد”، لا نقولها من باب الشعر، بل من باب الحقيقة الصلبة.

الفصائل تخاف من صوت الناس لأنها تعلم أنه سيحاكمها.
الأونروا تخاف من الناس لأنها تعلم أنها خذلتهم.
والأحزاب اللبنانية تخاف من منح الحقوق لأنها تخشى من مواجهة محرّمات صنعها الخوف لا العقل.

لكن في النهاية، سيخرج الصوت.
من زقاق مخيم، من مدرسة مكتظة، من منزل لا تصل إليه الشمس.
سيخرج الصوت ليقول للجميع:
كفى إدارة للجوع من وراء الزجاج، وكفى إدارة للمعاناة بقفازات دبلوماسية.

الحكمة كصفعة مستحقة

«لا يفتي شبعان لجائع ولا آمن لمضطهد» ليست موعظة لطيفة؛ هي صفعة.
صفعة لكل من يجعل من معاناة الفلسطينيين موضوعًا لمناورة سياسية أو بندًا في ملف إداري.
صفعة تقول:
إن لم تعيشوا جوعنا، فلا تتحدثوا باسمنا.
وإن لم تعرفوا قلقنا، فلا تصدروا قرارات تمسّ حياتنا.

لأن من يصنع القرار وهو خارج التجربة… يصنع ظلمًا جديدًا، لا حلاً.

شاركها.