يدخل الكاتب والناقد السينمائي المغربي والمترجم عبدالله الساورة فضاءً إبداعيًا جديدًا وهو يقدّم للقارئ العربي ترجمة المجموعة القصصية الشهيرة “الكفن” للكاتب الهندي الكبير مونشي بريمشاند، وذلك عن دار “خطوط وظلال” للنشر والتوزيع الأردنية (نونبر 2024)، في خطوة تؤكد استمرار الساورة في مشروعه الرامي إلى توسيع آفاق التلقّي العربي عبر الانفتاح على أدب الشعوب، ولا سيما ذلك الأدب المتجذّر في التجارب الإنسانية العميقة التي تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. ويأتي هذا العمل بوصفه إضافة نوعية إلى حركة الترجمة العربية، ليس فقط لأنه يقدّم واحدًا من أهم الأصوات السردية الهندية، وإنما لأنه يجسّد جسرًا حيًا بين ثقافتين شرقيتين ظلّت الصلة بينهما ضعيفة رغم ما يجمعهما من همّ إنساني مشترك.

ويحرص الساورة وهو يشرع في ترجمة “الكفن” على إعادة منح النص حياة جديدة دون الإضرار بروحه الأصلية. ويعتمد في ذلك على لغة عربية أنيقة وواضحة، قادرة على احتضان العوالم الريفية والهامشية التي يبرع بريمشاند في كشفها. ويُظهر هذا الخيار حساسية المترجم تجاه التفاصيل التي تصنع التجربة الإنسانية داخل النص، فيمنح القارئ إحساسًا بأن هذه القصص، رغم بعدها الجغرافي، تنتمي إلى بيئته الوجدانية والاجتماعية. ويجتهد الكاتب في الإمساك بنبرة بريمشاند الواقعية، تلك النبرة التي تجمع بين البساطة والعمق، بين السخرية المريرة والشفقة المتفجّرة، بين نقد الواقع وحماية كرامة الشخوص الذين ينهضون بحركة القص.

ويواصل الساورة في هذا العمل الاحتفاء بالقصة القصيرة بوصفها فنًا قادرًا على التكثيف ورسم الشخصيات بحركة دقيقة. ويأتي اختياره لمجموعة “الكفن” تحديدًا على خلفية إدراكه لطبيعة هذا النص الذي يُعدّ من أشهر نصوص بريمشاند وأكثرها قسوة وصدقًا. فالقصة التي تبدو في ظاهرها قصة عن فقر مدقع لا تنفصل عن سياق اجتماعي وسياسي أوسع، يقدّم نموذجًا للإنسان المقهور وهو يواجه قدرًا لا يرحم. ويمنح الكاتب هذه القصة، وباقي قصص المجموعة، شفافية لغوية تعيد تشكيل الألم والهشاشة والإنسانية المتوارية خلف المأساة، لتصبح الأقرب إلى القارئ العربي الذي خبر أشكالاً مختلفة من القهر الاجتماعي والاقتصادي.

ويُبرز عمل الساورة قيمة بريمشاند ككاتب أسس لمرحلة أدبية فارقة في تاريخ السرد الهندي الحديث، مرحلة تتجلى فيها الواقعية الاجتماعية بوصفها أداة لكشف شروخ المجتمع وتناقضاته. ويعيد الساورة تقديم هذه الواقعية إلى العربية، من خلال ليونة لغوية تسهّل عبور صورة الهند كما عاشها بريمشاند: الهند الفقيرة، المتعبة، التي ينهض أهلها في مواجهة الظلم الطبقي، الهند التي تئن تحت ثقل الاستعمار وتبحث عن صوت جديد يصوغ معنى الحرية والعدالة وهو صديق حميم للمهاتما غاندي. ويجعل هذا العمل من نصوص بريمشاند مرآة لوجدان عربي يعيش بدوره تحت وطأة تحولات اجتماعية وسياسية لا تقل قسوة.

ويُظهر الساورة في هذه الترجمة وعيًا نقديًا يتجاوز مجرد النقل اللغوي، إذ يعمد إلى إعادة تأويل بعض الطبقات الرمزية والثقافية في النص الأصلي دون أن يفسد نبرة الكاتب. ويحرص على أن تظهر الإشارات المتصلة بالنظام الطبقي الهندي، والمعتقدات الشعبية، والطقوس الدينية، وأسس الحياة الريفية، بطريقة تتيح للقارئ العربي فهم السياق دون حاجة إلى شروح متكررة أو ثقل لغوي قد يربك القراءة. ويعكس هذا الجهد قدرة المترجم على بناء جسور بين قارئ عربي يعود إلى المرجع الواقعي، ونص هندي يتأسس على ذاكرة جماعية تمتد عبر قرون من الأساطير والطقوس والمعتقدات.

ويواصل الساورة من خلال هذا الإصدار تعزيز الحضور العربي في فضاء الأدب الآسيوي، وإحياء اهتمام القراء بأدب الهند الذي ما زال قليل الترجمة رغم غناه الهائل. ويأتي هذا الاهتمام استجابة لحاجة معرفية حقيقية داخل الثقافة العربية، حاجة تبحث عن نماذج أدبية مختلفة، وعن أصوات قادرة على تقديم رؤية إنسانية تتجاوز حدود المركزية الغربية. ويقدّم الساورة بريمشاند بوصفه صوتًا إنسانيًا كونيًا، تتقاطع تجربته مع تجارب عربية عديدة، لا سيما في موضوعات مثل الفقر، والقهر الاجتماعي، وعلاقة السلطة بالفرد، وضع المرأة، والأحلام المنهكة التي تواجهها طبقات واسعة في العالم العربي والهند على حد سواء.

ويُعيد هذا الإصدار فتح النقاش حول دور الترجمة في بناء حوار ثقافي بين الأمم. فترجمة “الكفن” لا تأتي كجهد لغوي محض، وإنما كاختيار تربوي وجمالي يُعيد إلى الساحة العربية نصًا يرفع من قيمة الإنسان البسيط، ويكشف هشاشة المجتمع حين يتخلى عن أفراده. ويمنح الساورة لهذا النص مساحة جديدة للتنفس، فيعيد بعثه بين قرّاء قد يجدون أنفسهم في ملامح الشخصيات الهندية التي تواجه الجوع والحرمان والظلم الطبقي. ويقدّم بذلك نموذجًا لترجمة تعيد بناء المعنى ولا تكتفي بتسجيل الكلمات.

ويؤكد الساورة في مقدمة الترجمة أن التعرف على الآخر ليس ترفًا ثقافيًا، وإنما ضرورة لفهم الذات. ويجعل هذا الاقتناع من مشروعه الترجمي امتدادًا لوعيه النقدي والسينمائي، حيث يقرأ النصوص من زوايا متعددة: زاوية الإنسان، وزاوية التاريخ، وزاوية الدراما، وزاوية الصورة والسينما. ويحوّل هذا التعدد عمل الترجمة إلى عملية فنية دقيقة تكشف بنية النص الداخلية وتعيد تشكيلها في سياق عربي يملك أدواته الخاصة في الفهم والتذوق.

وتعيد ترجمة “الكفن” التأكيد على حاجة الثقافة العربية إلى توسيع أفق التعددية داخل المكتبة، وإلى إعادة بناء الجسور مع أدب آسيا الذي يقدم رؤى جديدة للإنسان والعالم. ويثبت الساورة، عبر هذه الخطوة، قوة الترجمة حين تصبح فعل تواصل يعيد ترتيب خرائط المعرفة، ويمنح القارئ فرصة لمساءلة ذاته من خلال قراءة الآخر. وهكذا تتحول المجموعة القصصية لبريشموند، عبر اللغة العربية، من نص هندي محلي إلى نص إنساني شامل، يُقرأ بروح جديدة ويُعاد التفكير فيه في ضوء تجارب عربية معادلة في الألم والأمل.

ويضع عبدالله الساورة بهذا العمل حجرًا جديدًا في مشروعه الثقافي، مشروع ينهض على إعادة تقديم الأدب العالمي للقارئ العربي بطريقة تليق بالنصوص الأصلية وتتماهى مع جماليات اللغة العربية. ويمنح هذا الجهد لقصص بريمشاند حياة أخرى، حياة تخرج من حدود الهند لتستقر في مكتبة عربية باتت بحاجة إلى أصوات جديدة تضيء دروبها. وبذلك يصبح هذا الإصدار ليس مجرد كتاب جديد، وإنما خطوة ثقافية وقرائية ذات وزن، تؤكد أن الترجمة، حين تؤدى بشغف وفهم، تصبح فعل مقاومة ضد النسيان، وعملية فتح مستمرة للنوافذ التي تطل على العالم الواسع.

المصدر: هسبريس

شاركها.