
بثينة تروس
قيل في باب السخرية من ظاهرة تهافت القونات والمغنين المتسلقين على كل جذع فيه مأكلة، (الواحد لما يفلس، يشيل شنطتو ويمشي بورتسودان، يمسك ليه ميكروفون، يفرغ حمولته من شتائم للقحاطة، ويرجع على الإمارات أو مصر وجيبه مليان حق الايجار) تذكرت هذا وأنا أقرأ، منتصف هذا الشهر، التصريحات المترنحة للسيدة إشراقة سيد محمود، وزيرة تنمية الموارد البشرية والعمل السابقة في حكومة الكيزان، وهي تعود إلى مسرح الانبطاح فالسيدة إشراقة من أنشط من يقدم خدماته للكيزان طلبًا للاستوزار، وهي عندنا نموذج حيّ لكيف يطيل البلابسة أمد الحروب، ويقودون الوطن الي الانهيار، في السابق طبعًا، لم يفُتها مولد انقلاب البرهان، وصرّحت بتصريحها الشهير (نحن الذين أسقطناكم، نحن وترك في الشرق، والمؤتمر الشعبي، والقبائل، والإدارة الأهلية، والمجتمع السوداني، والأحزاب السودانية الأصيلة الرافضة لفشل الدولة السودانية.. أسقطناكم) لكن يبدو أن طول الانتظار خذلها، فلم تجد موطئ قدم في حكومة (الأمل)، وتجاهلها علي كرتي ورفاقه، فقررت ارتداء عباءة (قونة حرب الكرامة) لعلهم يتذكرون كتبت بثقة اخوات نسيبه وهي اتحادية الانتماء الحزبي!
(نحن والبراؤون في خندق واحد.. طافت أعيننا بالشرق والغرب نبحث عن مقاتلين يساندون جيشنا الباسل بعدده القليل في وجه العدوان الخارجي من مليشيا الدعم السريع.. بعضنا فكر في مقاتلين أصدقاء من خارج الحدود) هكذا، في مناشدتها لإطلاق سراح قائد ميليشيا البراء بن مالك (الذي أُفرج عنه لاحقًا)، ظنّت أنها تحسن صنعًا، لكنها لم تفعل غير تبرجت بلبستها امام الناظرين. فات على الوزيرة السابقة أن حمدها لميليشيا البراء بن مالك هو ذم صريح للجيش نفسه! بالله عليك، كيف يكون جيش باسل وأنتم شايلين (قرعتكم) تطوفون البلاد بحثا له عن مستنفرين للقتال ولو من الأطفال؟ تستغيثون بميليشيات لإنقاذ الجيش؟ اليس هذا كمن يستجير من الرمضاء بالنار؟ ثم تتجاهل أن هذا الجيش نفسه سبق أن رعى وصنع ذات العدو الجنجويدي الذي يحاربه اليوم، فقط لأنه كان يومها في خدمة مشروع الحركة الإسلامية (حمايتي)! السيدة إشراقة، في دعمها المفضوح لمليشيات الكيزان الجدد، لم تقدم جديدا لكنها هي ذاتها، في وزارتها، قدمت الدعم المادي والمعنوي لقوات الدعم السريع، وأشادت بانتصاراتهم، وصرحت من داخل مباني هيئة العمليات بجهاز الأمن والمخابرات، مخاطبة حميدتي وقواته ( هذه قوات تحتاج إلى مزيد من القوة البشرية لدحر المتمردين بمسارح العمليات حتى يتحقق الأمن والاستقرار في البلاد) قد ظللنا نكرر ولا ملل، أن هذا الجيش قضى سنواته الطويلة في قتال مواطنيه، وهو يرفع شعارات سيادة الوطن وكرامته، وإشراقة، مثل كل البلابسة، الحركات المسلحة التي طالبت حميدتي “بدحرها” في الماضي، هي نفسها اليوم تُناشدها لدحر حميدتي.
أما عن تمجيدها لمصر (الشقيقة) وسندها للإسلاميين، عجباَ تقول (الإسلاميون في السودان مدرسة نفهمها جيدًا اجتماعيًا وسياسيًا، ونعرفها… فهم من طينة السودانيين، وإن اختلفنا معهم فكريًا وتاريخيًا، لكننا نؤكد أنهم غير متطرفين ولا إرهابيين… فرق كبير جدًا بين الإسلاميين في السودان وإخوان مصر) واضح أن إشراقة تسعى لتبرير قمع وإرهاب النظام والجيش المصري ضد الإخوان هناك، فتُحاول ببساطة أن تبيعنا فكرة أن (كيزان السودان طيبين) ومصر فقط تساندهم لأنهم مؤدبين وطيعين و(مش زي الوحشين المتطرفين بتاعين مصر) لكن لم تحدثنا السيدة عن مطامع مصر الحقيقية في خيرات البلاد، أراضيها، وثرواتها، وفائض نيلها، التي من اجلها مساندة لاخوان السودان، ولا عن لماذا تفاضل بين إخوان وإخوان، ولا عن أن كيزان السودان ما هم إلا تلاميذ نجباء للفكر الإخواني المصري ذاته، بكل ما فيه من عنف وتطرف! اذن لابد ان طبيعة الاختلاف الفكري والتاريخي بينهم!! هو فقط حول المصالح! وان الفرق الوحيد، أن الجيش المصري لم يخضع للاخوان، بعكس قيادات جيشنا الذي وقف صامتًا بالتواطؤ وهو يرى الوطن يُنهب ويتمزق أرباً.
الواقع أن كيزان السودان أسّسوا للإرهاب في المنطقة العربية بأسرها، بل حاولوا قتل حسني مبارك! وجعلوا من الخرطوم ملاذًا آمنًا لكل مهووس هارب من بلاده، من أسامة بن لادن، لكارلوس، ومن الداعشي إلى الفارّ من العدالة، وأفرغوا الوطن من التسامح، بثقافة الولاء والبراء، وفقه التحلل، وسياسات التمكين والفصل للصالح العام. وقتل، واغتيالات، وتشريد، واذلال للمعارضين السياسيين. من تصفهم إشراقة بأنهم “من طينة السودانيين”، هم أنفسهم من مزّقوا السودان إلى شمال وجنوب، وباعوا حلايب وشلاتين وأبورماده لمصر. والان يمانعون وقف نيران حربهم وجحيم مليشياتها. وهكذا تصريحات اشراقة ليست إلا مواصلة في مسلسل (من يبيع أكثر في بازار الحرب).
المصدر: صحيفة التغيير