منتدى الإعلام السوداني

ملاك جمال بلة

الخرطوم، 30 اغسطس 2025، (شبكة إعلاميات)   الهروب من الوطن بحثًا عن الأمان والكرامة لم يكن يوماً قراراً سهلاً، خاصة حين يتطلب الأمر المجازفة بالحياة. وهناك في تلك البلاد البعيدة، ربما تحقق الأمان في النجاة بالحياة من لهيب الحرب، ولكن يبقى البحث عن فرصة عمل تضمن للشباب مستقبلهم، أو تكفي على الأقل لمعيشتهم، تحدياً مقلقاً يجدد الإحساس بفقدان الأمان. فما واجهه الآلاف من الشباب السودانيين في دول اللجؤ لم يكن إلا بطالة ممتدة ومعاناة مركّبة.

ليبيا.. جحيم العطالة والاتجار بالبشر

أحمد الصادق، شاب سوداني، يسترجع ذكريات رحلته المحفوفة بالمخاطر خلال هجرته (غير الشرعية) إلى ليبيا، وهي خطوة اقدم عليها بسبب ظروف الحرب المدمرة في السودان وانعدام الآفاق أمام الشباب. يروي أحمد : ” هدفي كان الهروب من الصراع وبناء حياة مستقرة أتمكن فيها من مواصلة تعليمي .. لم تكن الرحلة كما صوّروها لنا.. انطلقنا من الخرطوم وسط الرصاص ودوي القذائف حيث كانت المعارك على اشدها، برفقة عدد من الشباب ، كانت الرحلة في حد ذاتها محفوفة بالمخاطر مررت خلالها بأخطر الأماكن والمواقف التي رأيتها في حياتي بين المتاجرين بالبشر وغيرهم ..” .

أخيراً وصل أحمد ورفاقه إلى ليبيا، إلا أن معاناته لم تنتهِ، حيث لاحقته البطالة، ويقول : ” فرص العمل تكاد تكون معدومة، إذ يوجد عدد كبير من المهاجرين من مختلف الجنسيات.. لذلك أصبحنا نحلم بالتوطين في أوروبا أو في أي دولة متقدمة توفر الحد الأدنى من الكرامة والحقوق ” . ليبدأ رحلة بحث جديدة عن مستقبل يحفه الغموض والمخاطر.

ورغم المخاطر، يتدفق آلاف الشباب والأسر السودانية إلى ليبيا عبر طرق التهريب بحثاً عن ملاذ، بعد أن ضاقت بهم أرض وطنهم. ليواجهوا واقعاً لا يقل قسوة، فرص العمل شبه معدومة، والمنافسة مع آلاف المهاجرين من دول أفريقية أخرى على أعمال هامشية وأجور متدنية. بينما يُستغل آخرون في أنشطة غير قانونية أو يتعرضون للخطف والابتزاز.

بين كمبالا وكرياندنقو ملامح واحدة للبطالة  

تشارك الطبيبة إيثار عمر قصتها مع شبكة “إعلاميات ”، فتقول: “عندما هربنا من الحرب، مكثنا شهرًا في العاصمة الأوغندية كمبالا، وكنت أظن أنني سأحصل على وظيفة في مستشفى فكان الأمر مستحيلاً .. حاصرتنا تكاليف المعيشة وإيجار السكن الباهظة، فقررنا الانتقال إلى معسكر كرياندنقو ..” .

وفي المعسكر حاصرتها ايضا العطالة وصعوبة الحياة، حيث لا كهرباء ولا مياه في الصنابير، فالمياه تنقل يدويًا وفي الغالب غير صالحة للشرب ، وفوق ذلك تقول : ” يحاصرنا البعوض والثعابين وانتشار الأمراض.. ولا يوجد مستشفى، فقط عيادة صغيرة أُنشئت سابقًا للاجئين من جنوب السودان، ولا تقدم سوى استشارات وفحوصات بسيطة .. ومع تدفق اللاجئين السودانيين، أصبح الحصول على الرعاية الطبية أمرًا بالغ الصعوبة، وقد ينتظر المريض يومًا كاملًا ، ومع ذلك لا توجد فرص للعمل .. ” .

مصطفى علي (إسم مستعار)، شاب لاجئ في العاصمة الاوغندية كمبالا، يصف حالته قائلاً : “أصبح سداد إيجار السكن أمراً بالغ الصعوبة.. تركت نيالا بعد الحرب متجهًا إلى كمبالا لبدء حياة جديدة، لكن الواقع كان قاسيًا.. احتاج لوظيفة لاتمكن من دفع الإيجار فقط أو تكاليف الطعام والعلاج، لكن لا عمل والحياة باهظة التكاليف، أبسط الفحوصات الطبية يمكن أن تكلف نحو 50 دولارًا..  وبعد مرور أكثر من عامين على الحرب، لم أتمكن من تكلفة السكن أو إيجاد عمل، فلم أجد أمامي سوى العودة إلى السودان، رغم خطورة الوضع في نيالا تحت القصف الجوي المستمر..” .

العمل الحر ليس مخرجًا سهلاً

الطيب آدم (اسم مستعار) عبّر عن ندمه على تجربة اللجوء إلى أوغندا، ويقول : “ البطالة منتشرة بشكل مخيف.. تنفيذ أي مشروع يحتاج لرأس مال كبير، وحتى المقاهي والمطاعم لا تنجح لأن السكان المحليين لا يشترون من اللاجئين ” .

ويتابع: “الإحباط واليأس يملآن نفوس الشباب، وهم يرزحون تحت عبء إعالة أسرهم داخل السودان، في ظل ارتفاع أسعار تكاليف السكن والاحتياجات الأساسية في بلاد المهجر.. كثيرون عادوا إلى السودان رغم المخاطر، لأنهم لم يحتملوا الإذلال والحرمان ..” .

مصر .. مهن هامشية وحظر عمل المهنيين

في مصر، اتجه معظم الشباب السوداني إلى سوق العمل في حدود العمالة اليومية، عاملين في المطاعم والمحال التجارية، وعمال في المزارع وغير ذلك من مهن هامشية، فيما حُظر العمل على الخريجين من المهنيين بسبب تعقيدات الإقامة وتصاريح العمل، فاتجه الكثيرين منهم إلى اختلاق مهن جديدة، كصنع الأطعمة والخبز والحلويات. ومع ذلك شكل غلاء وارتفاع تكاليف المعيشة عبئاً يلتهم الأجور الزهيدة والدخول المتواضعة.

أزمة جيل يضيع

ورغم ما يبديه هؤلاء اللاجئون من قوة وصبر، إلا أنهم ما زالوا عالقين في حلقة من المعاناة، بين حرب لا تنتهي في الوطن، ومستقبل غامض في دول اللجوء، والاضطرار للعودة بعد أن سدت الأبواب في وجوههم. أعداد متزايدة تشهدها البلاد من العائدين من الأسر والشباب، رغم سؤ الأوضاع في الداخل، بسبب صعوبة الحياة وغياب الفرص. في المقابل، يسعى البعض لإعادة التوطين في دول أكثر استقرارًا، بحثًا عن مستقبل أفضل.

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، نزح أكثر من 12  مليون سوداني، بينهم 4  ملايين لاجئ إلى دول الجوار. وتستضيف مصر  حوالي 1.5  مليون لاجئ سوداني، جنوب السودان أكثر من 1.1 مليون، تشاد بين   850  ألف 1.2 مليون، أوغندا نحو 76  ألف. وليبيا تستقبل عشرات الآلاف .

وبلغ عدد اللاجئين السودانيين المسجلين في أوغندا 76,049 شخصًا حتى ابريل 2025، منهم 75,857 حصلوا على حق اللجوء رسميًا، فيما لا تزال 192 حالة قيد الدراسة، بالإضافة إلى 4,769 فردًا من ذوي الاحتياجات الخاصة، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وفي المقابل، عاد أكثر من 1.3  مليون سوداني خلال 2025، من مصر و أوغندا وتشاد،. و 128,825 عائدًا من جنوب السودان، و 323 ألفاً و386 عادوا من مصر منذ مطلع العام حتى 13 أغسطس الحالي وفقاً لبيانات رسمية.

في ظل استمرار الحرب وغياب سياسات دعم الشباب في المنافي أو داخل السودان، يواجه جيل كامل خطر الضياع بين عطالة قسرية في اللجوء، وعودة محفوفة بالمخاطر تشوبها ضبابية المستقبل في وطن يتآكله العنف.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء هذه المادة من إعداد (شبكة إعلاميات) لتسليط الضوء على معاناة الشباب السوداني في دول اللجوء، حيث يواجهون البطالة، غلاء المعيشة، والاستغلال، ومخاطر التهريب. في ظل غياب سياسات دعم الشباب في المنافي وضبابية مستقبلهم داخل السودان، ما يكشف عن أزمة جيل كامل مهدد بالضياع بين عطالة اللجوء والمخاطر داخل الوطن.

 

 

المصدر: صحيفة التغيير

شاركها.