د. حامد برقو عبدالرحمن
(١)
رغم العلاقة العشائرية و العديد من الارتباطات الأسرية إلا أن تواصلي مع الاخ ابراهيم عبدالله بقال (رغم فارق العمر غير الكبير) لم يكن بالقدر الذي يسمح بالتقييم المنصف أو الموضوعي.
أول عهد لي بالاخ بقال ؛ عندما غامرت بخوض تجربة السباق الانتخابي لمقعد المجلس الوطني ( البرلمان القومي) في إحدي الدوائر ضد أحد الجنرالات الذين سبقوا الرئيس البشير في الكلية الحربية، و الذي كان وقتها وزيرا للحكم الاتحادي بعدما كان يشغل منصب وزير الدفاع.
كنت موقن بالهزيمة إلا أنني آثرت التجربة كتعبير عن المقاومة . لأن ليس من العقل خوض السباق الانتخابي ضد مرشح نظام عسكري شمولي دون اعداد النفس و من معك من المؤيدين لتقبل الهزيمة الحتمية.
للحقيقة و الإنصاف قد أظهر الاخ بقال حماساً كبيراً في دعمي و مساندتي .
الا ان السباق المذكور انتهى على شكل فاق توقعات أكثر المتشائمين ، الأمر الذي اشعل غضباً وسط الشباب و بقال كان في مقدمة هؤلاء الغاضبين .
المؤكد أنني مازلت ممتن لإخلاصه معي . لكن السؤال الذي لم أجد له الاجابة المناسبة هو كيف لعضو لحزب المؤتمر الوطني أن يقف بجانب مرشح مستقل و معارض و حظوظه في الفوز معدومة تماماً..؟
(٢)
ثم ضمن الآخرين تزاملنا مع ابراهيم بقال في منتدى موقع سودانيز اون لاين لفترة ليست بقصيرة.
ما أثار انتباهي اختياره للمواقف الصارخة و المثيرة للجدل كثيرا ما يكون في صف نظام الإنقاذ و تارة أخرى ضد النظام أو رموزه لكن بشكل يتجاوز الموضوعية الي السفور في الخصومة السياسية برغم أنه ينتمي إليهم .
لكن لم يحدث قط أن دخلت معه في خلاف غير مرة واحدة، و بطبيعة الحال كنت أنا الخاسر ، فأنسحبت و لم أكرر ثانية .
في ذلك المنتدي لم ينجو أحد من كبار قادة حزب المؤتمر الوطني من سهام بقال ، بما فيهم أقربائه في الرحم برغم أن جميعهم أعضاء في الحزب نفسه .
(٣)
ليس كل ما يقوله الناس صحيحاً ، لكن هنالك أحاديث عن تعاونه مع السيد صلاح قوش و عن دور له في الاعتقال و التضييق على أبناء دارفور . لهذا كان الجميع يحاول إجتنابه بقدر المستطاع.
قبل مغادرتي السودان مرغماً تلقيت من الاخ بقال مكالمة هاتفية يريد بها مقابلتي. برغم قلة التواصل بيننا إلا أنه كان ودوداً معي بشكل لافت.
مع ذلك أستشرت أحد الإخوة ان كان من الحكمة مقابلة بقال .! نصحني الرجل بعدم مقابلته على الأقل في بيتي بعدما ابدى استغرابه لكيفية حصول السيد بقال على رقم هاتفي.
و لأنني كنت أعد نفسي للمغادرة عبر جنوب السودان ؛ تركت لهم الخرطوم دون أن نتقابل .
(٤)
مرت سنوات عدة ليعود ابراهيم بقال الي الاضواء الساطعة بعد سقوط البشير.
شاهده الناس في أكثر من فيديو و هو يعلن انتمائه لحزب المؤتمر الوطني عندما توارى قادته عن الأنظار و الاعلام في بواكير الثورة الشعبية.
لم أندهش للأمر لأن تلك هي طبيعة بقال الذي عرفته عن بعد.
لكن لم أتوقع إنضمامه لمليشيا الدعم السريع بعد تمردها في منتصف ابريل ٢٠٢٣.
حيث ارتدى البزة العسكرية التي عليها رتبة سبق ان تقلدها في مرحلة ما من التاريخ كل من (احمد محمد حمد الجعلي ، و ابراهيم عبود في السودان)، (سعد الدين الشاذلي في مصر) ،( هواري بومدين في الجزائر)، (محمد ضياء الحق في باكستان) و (أدربس دبي في تشاد).
رغم عدم خوضه لأي عمل قتالي؛ الا أنني و على المستوى الشخصي فإن الحزن الذي أصابني و الأحباط الذي لازمني مع فقدان الأمل في إمكانية بقاء الدولة السودانية و إستردادها ثانية؛ كان بسبب ما ينشره ابراهيم بقال من فيديوهات ميدانية من الخرطوم عاصمتنا و قلب بلادنا و عنوان بقاء وطننا ضمن جغرافيا كوكب الارض.
عادت الخرطوم و كذا مدني ، غدا بحول الله تعود الجنينة و نيالا و زالجني و بارا و غيرها من مدن و بلدات تراب بلادنا الي حضن الوطن. و بفضل من الله ثم بتكاتف بنات و أبناء السودان سنعيد بناء كل ما دمرته الحرب. الا أن الجراح التي سببها هؤلاء الناس ستأخذ الكثير من أعمارنا لتشفي . منها ما قام به ابراهيم بقال من تدمير في ثقة الناس في أنفسهم و جيشهم و إيمانهم بحتمية إنتصارهم على قوى الشر الخارجي.
(٥)
في مقال سابق كنت قد قلت ليس في البل وحده الحل، و ناديت بضرورة فتح باب العودة لمن يرغب في الاستسلام.
و ( بقال الوالي) ليس إستثناءً لكن ليس بالشكل الإستغفالي الذي يصوره البعض و الذي كأنما كان بقال في مهمة رسمية من قبل المخابرات الحربية أو الاستخبارات.
ثمة ملاحظة كنت قد ذكرتها قبل سنوات عدة و أكررها اليوم؛ و هي أننا ظللنا نوجه أقذع النعوت بحق قادة نظام الإنقاذ و لم نجد من أبناء أقاليمهم اي اعتراض على الأساس الجهوي ، بل كانوا أكثر شراسة منا في انتقاد أبناء أقاليم من اتباع و قادة النظام.
لكن عند بعض أبناء الغرب فإن كل الانتماءات تتلاشى أمام الانتماء القبلي أو الجهوي . و أبلغ المثال في انحياز قادة حزب المؤتمر الوطني من أبناء بعض المكونات العربية في غرب السودان لمليشيا الدعم السريع فور تمردها على الدولة رغم وصول بعضهم لأعلى المناصب السيادية بالدولة و منهم نواب رئيس الجمهورية .
و هو مبعث حماس البعض الاخر في الدفاع عن الاخ بقال من منطلق جهوي أو قبلي مبررين في ذلك بقبول الدولة بعودة قائد قوات درع السودان اللواء ابوعاقلة كيكل.
من المشفق و المبكي معاً المقارنة بين شخص الاخ بقال ( الذي كل ترسانته الحربية تقوم على هاتف جوال بكاميرا ) مع قائد مقاتل رجع إلى حضن الوطن بمعية الآلاف من المقاتلين المدربين و مئات السيارات القتالية، ساهموا بدمائهم في تحرير وسط البلاد و عاصمتها ثم زحفوا غربا لتحرير كل شبر من تراب بلادنا في انسجام و تناغم مع باقي تشكيلاتنا الوطنية، مقدمين أرتالا من الشهداء.
مرحباً بعودة الاخ ابراهيم بقال و بكل من لعبت بعقله دويلة الشر، لكن دعونا نتعاطي مع الأمر في سياقيه الموضوعي و الوطني.
إن كان بوسعى أن انصح الآخرين ؛ فإن انسب موقع للسيد ابراهيم بقال هو بقائه مع مليشيا الدعم السريع الي حين الاستسلام الجماعي .
ذلك انفع للاخ (والي الخرطوم الاسفيري السابق) و للمليشيا المتمردة و للسودانيين الوطنيين أجمعين.
[email protected]
المصدر: صحيفة الراكوبة