تواجه كبرى شركات السيارات التقليدية في العالم تحديا وجوديا في سعيها الحثيث إلى التحول من نموذج التصنيع الميكانيكي إلى نموذج البرمجيات، في ظل صعود شركات ناشئة؛ مثل “تسلا” و”نيو” و”شاومي” و”إكس بنغ”، التي نجحت في إعادة تعريف السيارة بوصفها منصة رقمية متكاملة.

تقرير لصحيفة “فاينانشال تايمز” رصد كيف تكافح شركات، مثل “تويوتا” و”فولفو” و”مرسيدس” و”جنرال موتورز”، للحاق بركب ما يُعرف بـ”السيارات المعرفة بالبرمجيات” وسط إخفاقات تقنية وتأخيرات مكلفة وتوترات متزايدة مع عمالقة التكنولوجيا.

بدأت شركة “تويوتا”، منذ نحو عقد، في استقطاب خبراء من شركات كبرى مثل “غوغل”، بهدف تطوير نظام تشغيل موحد يتحكم في جميع وظائف السيارة، من الفرامل والتوجيه إلى الترفيه والمساعدة على القيادة؛ لكن النتيجة، حتى الآن، جاءت مخيبة.

المنصة البرمجية الجديدة، التي تطورها الشركة والتي تحمل اسم “أريني”، لم تتجاوز حدود تشغيل وظائف المعلومات والترفيه وبعض تقنيات السلامة، وفقا للتقرير. ومن غير الواضح متى سيكون النظام متكاملا وجاهزا للاستخدام على نطاق واسع.

حتى داخل الشركة، لم تحظَ المنصة بإجماع إيجابي؛ أحد مهندسي “تويوتا ووفن”، الذراع التقنية للمجموعة، وصف النظام بأنه “مليء بالأعطال”، واعتبره “مجموعة أدوات متفرقة أكثر من كونه نظام تشغيل حقيقي”. هذه الإخفاقات تعكس، برأي محللين، صعوبة التحول من بنية تصنيع تقليدية راسخة إلى عقلية برمجية مرنة وسريعة التطور. ويُنظر إلى النموذج الياباني، الذي يُعلي من شأن الحذر والإجماع المؤسسي، بوصفه عقبة في وجه الابتكار الرقمي المتسارع.

الوضع لا يختلف كثيرا لدى صانعين أوروبيين آخرين. “فولفو” مثلا، التي كانت من أوائل الشركات التي تبنت تقنيات رقمنة شاملة بالتعاون مع “نفيديا”، واجهت تأخيرات كبيرة في إطلاق نظام حوسبة موحد لطرازها الجديد”EX90″؛ ما أدى إلى خسائر كبيرة وتسريح آلاف الموظفين. أما “مرسيدس”، فقد قررت التوسع في توظيف مطوري البرمجيات عالميا؛ لكنها اختارت عدم تطوير كل شيء داخليا، مفضلة التعاون مع “غوغل” لتوفير مساعد ذكي داخل السيارة، مع الحفاظ على السيطرة على البنية الرقمية نفسها.

وتتجه شركات عديدة إلى التعاون مع شركات ناشئة في مجال البرمجيات والذكاء الاصطناعي لتجاوز الهوة. “فولكسفاغن”، على سبيل المثال، أبرمت اتفاقا بقيمة 5 مليارات دولار مع شركة “ريفيان” الأمريكية الناشئة، في محاولة لتعويض تعثر ذراعها البرمجية الداخلية؛ غير أن هذه الشراكات ليست خالية من التحديات، إذ يزداد التنافس مع “غوغل” و”آبل” حول من يملك بيانات السيارة ويصمم تجربة المستخدم داخلها.

سجل خبراء أن مستقبل صناعة السيارات يتجه نحو نموذج مشابه لما حصل في الهواتف الذكية، حيث تهيمن أنظمة تشغيل محدودة على السوق، ويتحول المنتج من آلة ميكانيكية إلى منصة خدمات؛ لكن الانتقال ليس سهلا، فإدخال قوة حوسبة ضخمة في مركبة مصممة وفق مبادئ إنتاج “تويوتا” التقليدية التي تشدد على تقليل الهدر وتعظيم الكفاءة يتطلب تغييرا جذريا في فلسفة التصنيع.

وعلى الرغم من تعثرات عديدة، فإن شركات السيارات تواصل استثماراتها الضخمة في بناء البنية التحتية البرمجية. “بي إم دبليو”، من جهتها، تعتزم إطلاق منصة “نويه كلاسه” الجديدة، التي تتضمن أربعة مراكز حوسبة ضخمة داخل السيارة، وتوفر قدرات اتصال وتحكم تفوق الأنظمة الحالية بعشرين مرة. يُنتظر أن تُطرح المنصة في طراز “iX3” الكهربائي الجديد، فيما تخطط الشركة لإطلاق 40 طرازا جديدا أو محدثا حتى عام 2027.

ومع هذه المنافسة المحتدمة، تظل مسألة تحقيق الأرباح من البرمجيات والخدمات الرقمية غير محسومة؛ فشركة “جنرال موتورز”، رغم إعلانها عام 2021 عن هدف تحقيق 25 مليار دولار سنويا من الخدمات الرقمية، لم تقدم بعد خارطة طريق واضحة. وفي المقابل، تُعد وحدة “فورد برو”، المتخصصة في الأساطيل التجارية، نموذجا ناجحا نسبيا في تحويل البيانات إلى خدمات مدفوعة تسهم في أرباح تشغيلية مستقرة.

المصدر: هسبريس

شاركها.