حكومة الوهم.. لا أمل فيها
حسن عبد الرضي الشيخ
كتب عثمان ميرغني في عموده الأخير أن “العد التنازلي لحكومة الأمل قد بدأ”، وكأنه يتحدث عن جسمٍ سياسي جادّ يستحق أن يُنتظر منه شيء، أو أن يُمنح فترة سماح إضافية قبل الحكم عليه. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع منذ يومها الأول أن هذه الحكومة لم تُولد إلا كظلٍّ باهت لانقلاب البرهان، وأنها أضعف من أن نطلق عليها حتى وصف “الوهم”.
فعندما جاء كامل إدريس وهو يطلق على تشكيلته “حكومة الأمل”، كنّا نعلم وكتبنا يومها أنها ليست سوى “حكومة الوهم”، وأنها ستتهاوى قبل أن تبدأ. لأنها لم تُبنَ على إرادة وطنية، ولا على برنامج سياسي، بل جيء بها كطلاء خارجي لتجميل وجه سلطة انقلبت على الحكومة المدنية وأدخلت البلاد في عزلة دولية خانقة.
عثمان ميرغني يلوم الحكومة على بطء الإيقاع وغياب القرارات الجوهرية، وكأن المشكلة تكمن فقط في الأداء أو ضعف الكفاءة. بينما جوهر القضية أبعد وأعمق: هذه الحكومة لا قرار لها أصلاً، لأنها لم تُصنع لتقرر، بل لتُدار بالريموت من قصر البرهان.
مشهد الوزراء الذين قطعوا المشوار من بورتسودان إلى الخرطوم ثم انشغلوا بالتقاط الصور في اجتماع “تاريخي” بلا قرارات لم يكن دليلاً على ضعف التحضير كما كتب عثمان، بل كان الدليل الساطع على حقيقتهم: مجرد “كومبارس” في مسرحية سياسية رديئة. وحملة النظافة التي أرادوا بها أن يصنعوا صورة شعبوية، لم تكن إلا تكراراً مشوّهاً لممارسات نظام البشير الذي كان يُخرج مسؤوليه للخوض في مياه الأمطار للكاميرات.
الخلل إذن ليس في أن الحكومة “بطيئة” أو أن رئيسها “لم ينتبه بعد”، كما يحاول عثمان أن يوهم القرّاء. الخلل أنها حكومة صُممت منذ البداية بلا روح، بلا شرعية، وبلا سند شعبي. حكومة وُضعت لتكون جسر عبور مؤقت يخفف عن البرهان ضغط العزلة، لا أكثر.
إن إقالة هذه الحكومة التي يتحدث عنها عثمان ميرغني لن تكون نهاية شيء، لأنها في الحقيقة لم تبدأ بعد. والأمل الحقيقي لن يأتي من حكومات تُفرض من فوق، بل من عودة السلطة للشعب، ومن بناء دولة مدنية ديمقراطية تُستمد شرعيتها من الناس لا من جنرالات الحرب.
ولذلك، فإن ما يسميه عثمان “العد التنازلي لحكومة الأمل” ليس عدّاً تنازلياً على الإطلاق، بل هو استمرار للفراغ، وتعميق للوهم، وإطالة لعمر أزمةٍ لن تُحل إلا عندما يسقط هذا الوهم كله، ومعه كل أشكال التزييف السياسي.
المصدر: صحيفة التغيير