شهد الساحة الإفريقية مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والدبلوماسية حيث يتراجع النفوذ التقليدي لفرنسا في المنطقة بينما يبرز المغرب كلاعب رئيسي وموثوق كشريك اقتصادي ودبلوماسي لعقود طويلة اعتادت فرنسا ممارسة هيمنتها على بلدان المغرب العربي وإفريقيا الفرنكوفونية مستغلة العلاقات التاريخية والاقتصادية التي نسجتها منذ الحقبة الاستعمارية اليوم الواقع مختلف تماما المغرب يضع شروطه ويحدد قواعده في التعاون الإقليمي والدولي ويستثمر في شراكات قائمة على المصالح المشتركة والثقة المتبادلة
تراجع فرنسا في إفريقيا ليس مجرد شعور بل انعكاس لتغيرات ملموسة في موازين القوة الاقتصادية والدبلوماسية مشاريع فرنسا الكبرى تواجه صعوبات في المنطقة بينما يزداد تأثير المغرب من خلال استثماراته وبرامجه الاقتصادية وتطوير البنية التحتية ودوره في التوسط الدبلوماسي بين مختلف الدول الإفريقية المغرب أصبح الشريك الاقتصادي الأول لعدة دول إفريقية حيث يعول عليه الحكومات الإفريقية في مشاريع التنمية والاستثمار مما أكسبه سمعة كشريك موثوق يلتزم بالاتفاقيات ولا يمارس سياسات الهيمنة التقليدية مثال على ذلك مشاريع الطاقة الشمسية في دول مثل السنغال ومالي ومبادرات المغرب في تطوير الموانئ والطرق والمراكز اللوجستية التي تساهم في تعزيز التجارة البينية كما أن المغرب أبرم اتفاقيات استثمارية مع بنين وساحل العاج والكاميرون مما عزز مكانته كشريك اقتصادي موثوق ومستدام
لكن هذا التحول لا يسير دون احتكاك مع النخبة الفرنسية ووسائل إعلامها النخبة في فرنسا لم تستصغ الخسارة الدبلوماسية المتكررة في إفريقيا ولا تأثيرها المتراجع في ملفات دولية مهمة مثل الأزمة الأوكرانية التي شهدت سحب النفوذ الأمريكي بقيادة ثرامب من أوروبا مما جعل فرنسا وأوروبا مجرد أطراف مراقبة تنتظر النتائج بدل أن تكون فاعلة، هذا الواقع ألقى بظلال الشك والريبة على قدرة فرنسا التاريخية وأدى إلى شعور بعدم الأمان الاستراتيجي داخل النخبة الفرنسية فكان أسلوب التعالي على المغرب ووسائل الإعلام جزءا من محاولة للتشبث بصورة فرنسا التقليدية المهيمنة رغم تراجع قوتها الفعلية.
في الأشهر الأخيرة تجلى هذا التوتر من خلال هجوم بعض الصحف الفرنسية على ملك المغرب محاولين التشكيك في استقرار المملكة ودورها الإقليمي. على الرغم من وجود استقرار دبلوماسي حقيقي بين البلدين، هذه الانتقادات الإعلامية ليست مجرد حملات فردية بل تعكس أزمة ثقة أعمق داخل النخبة الفرنسية تجاه مستقبل الدور الفرنسي في إفريقيا والعالم، ومحاولة لإعادة فرض سردية الهيمنة التقليدية على اللاعبين الإقليميين الناشئين مثل المغرب، في الوقت نفسه المغرب حافظ على علاقاته المتوازنة مع فرنسا وحلفائه الآخرين في أوروبا وأفريقيا ووسع شبكة شراكاته الاقتصادية والدبلوماسية بما يعزز مكانته كلاعب مستقل وفاعل.
العلاقة بين المغرب وفرنسا اليوم تتسم بالتوازن الحذر من جهة هناك استقرار دبلوماسي قائم على المصالح المشتركة ومن جهة أخرى هناك منافسة ضمنية على النفوذ الإقليمي خصوصا في إفريقيا المغرب يثبت أنه قادر على أن يكون شريكا موثوقا ومستقلا، بينما فرنسا تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها وطريقة تعاملها مع المنطقة بعيدا عن أساليب السيطرة التقليدية وإلا فإن فقدانها النفوذ سيكون أكثر وضوحا، أمام صعود لاعبين إقليميين مستقلين كما أن المغرب يستخدم استراتيجية متقدمة تقوم على التوازن بين الاستثمارات الاقتصادية والمبادرات الدبلوماسية والإستراتيجية في مجالات الأمن والتجارة والطاقة، وهذا ما جعله نموذجا يحتذى في إفريقيا.
في ضوء هذه التحولات يمكن القول إن المغرب يسطر نموذجا جديدا للعلاقات الدولية في إفريقيا، نموذج يرتكز على الشراكة الاقتصادية الموثوقة احترام السيادة الوطنية وبناء التحالفات على أساس المنفعة المتبادلة وليس الهيمنة التقليدية، بالمقابل فرنسا تواجه اختبارا حقيقيا لقدرتها على التكيف مع واقع دولي متغير، حيث يبدو أن أسلوب التعالي الإعلامي والسياسي لم يعد كافيا لتعويض فقدانها النفوذ الفعلي ومن المتوقع أن تستمر النخبة الفرنسية في استخدام حملات إعلامية ونقد موجه لاستعادة الهيبة التاريخية.
المصدر: العمق المغربي