تواصل هبوط الجنيه السوداني بصورة مقلقة رغم القرارات والإجراءات الاقتصادية التي تتخذها السلطات المعنية، ما دفع لتزايد المخاوف من آثار القطيعة مع الإمارات وبقية الأزمات.

تقرير: التغيير

تضاعف سعر الدولار الأمريكي مقابل الجنيه السوداني أكثر من خمسة أضعاف منذ بدء الحرب وحتي الآن حيث كان السعر قبل يوم 15 أبريل 2023م مبلغ 460 جنيه، ووصل حتى اللحظة إلى أكثر من 3200 جنيه.

وأثر انخفاض قيمة الجنيه على أسعار جميع السلع بالأسواق لجهة ان السودان دولة تستورد 80% من احتياجاتها، ووسط هذه الأوضاع اتجهت حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس المعينة حديثا لوضع معالجات بهدف محاصرة هذا التدهور المريع، لكن بعض الخبراء قللوا من فعالية الإجراءات الحكومية في وقف التراجع.

قرارات ولجنة طوارئ

واعلن رئيس الوزراء كامل إدريس مؤخرا، قرارات لوقف تدهور الجنيه السوداني بتشكيل لجنة عليا للطوارئ الاقتصادية برئاسة رئيس مجلس الوزراء.

ومنعت اللجنة استيراد البضائع إلا بعد استيفاء كامل الضوابط والإجراءات المصرفية والتجارية، وحظر دخول أي بضائع لا تستوفي الشروط والمواصفات المعتمدة.

وشددت على تفعيل دور قوات مكافحة التهريب وتمكينها من الوسائل والمعينات اللازمة لأداء مهامها بكفاءة عالية.

بجانب إنفاذ القوانين والتشريعات الخاصة بمكافحة التهريب بحيث تعد حيازة أو تخزين الذهب من غير مستندات رسمية جريمة تهريب بغض النظر عن الموقع.

وأكدت لجنة الطوارئ على إخضاع الذهب المنتج للمتابعة الدقيقة حتى تصديره ضمانا لعدم تهريبه عبر قنوات غير مشروعة.

إضافة إلى حصر شراء وتسويق الذهب في جهة حكومية واحدة، على أن تلتزم هذه الجهة بتوفير النقد الأجنبي اللازم للمستوردين.

وقررت اللجنة إنشاء منصة قومية رقمية لتمكين الجهات الحكومية من متابعة حركة الواردات والصادرات منذ مغادرتها موانئ الشحن وحتى وصولها إلى الموانئ السودانية.

وكشفت اللجنة عن مراجعة قرار مجلس الوزراء رقم 154 بشأن تنظيم استيراد السيارات وضبط عمليات الاستيراد غير المقنن (عبر الطبالي) في الموانئ والمعابر.

أسعار متفاوتة

(التغيير) قامت بجولة لمعرفة أسعار العملات في السوق الموازية “السوداء”، وبحسب عدد من التجار وصل متوسط سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني 3200 بمتوسط 3000 في السوق السوداء.

وسجل اليورو 3850 والجنية الاسترليني 4400، والريال السعودي 880 والدرهم الاماراتي 890 والريال القطري 900 والجنية المصري 70 جنيه سوداني.

بينما ظهرت أسعار العملات في لوحات البنوك منخفضة مقارنة بالسوق الأسود، فمثلا سعر متوسط الدولار 2400 جنيه والريال السعودي 684 والدرهم الإماراتي 660 ويبلغ سعر العملة المصرية 50 جنيه سوداني.

عجز تجاري

وقال الباحث الاقتصادي أبوعبيدة أحمد سعيد لـ(التغيير)، إن بيانات بنك السودان المركزي للربع الأول من العام 2025 كشفت عن عجز تجاري بلغ (608.7) مليون دولار خلال ثلاثة أشهر فقط، ما يضع البلاد على مسار عجز سنوي قد يقترب من (2.4) مليار دولار إذا استمرت الأوضاع على ذات الوتيرة.

وأضاف أن فجوة النقد الأجنبي بالسودان تتجاوز (200) مليون دولار شهرياً، وهو العامل المباشر لانهيار قيمة الجنيه السوداني.

وتابع أبوعبيدة: أما الواردات، فقد بلغت (1.312) مليار دولار في الربع الأول، تركزت أساساً على الغذاء (29.5%) والوقود (15.7%)، ما يجعل أي تخفيض للعملة محفوفاً بمخاطر تضخمية قاسية.

ولفت إلى أن قيمة الصادرات السودانية نحو (704.1) مليون دولار، منها (449.5) مليون دولار من الذهب فقط، أي ما يعادل (63.8%) من إجمالي الصادرات.

أما الصادرات غير الذهبية، مثل الحيوانات الحية والسمسم والصمغ العربي، فقد بلغت مجتمعة حوالي 254.6 مليون دولار فقط، ومعظمها يُصدر خامًا دون قيمة مضافة تُذكر.

مخاطر هيكلية

وبحسب أبوعبيدة فإن هذه البيانات تظهر مخاطر هيكلية واضحة: اعتماد شبه كامل على السوق الإماراتية، التي تمثل (88%) من صادرات الذهب، مما يجعل الاقتصاد عرضة لأي توتر أو قيود تجارية.

وذكر أن التهريب الواسع للذهب بسبب الفجوة السعرية بين السعر المحلي وسعر بورصة لندن (LBMA)، يقلل من العائدات الرسمية.

وأشار إلى ضعف التنويع في الصادرات، إذ إن معظم السلع غير الذهبية خامة أو قليلة القيمة المضافة، ما يضعف القدرة على سد العجز التجاري من مصادر أخرى.

الواردات فاتورة مرتفعة ومخاطر

بلغت فاتورة الواردات في الربع الأول (1.312) مليار دولار، موزعة بين سلع استراتيجية وغير استراتيجية.

السلع الاستراتيجية غير القابلة للتقليص بلغت (696.8) مليون دولار، وتشمل الغذاء (29.5% من إجمالي الواردات)، الوقود (15.7%)، والأدوية، أي أن أي اضطراب في تدفقها يهدد الأمن الغذائي والصحي والطاقي.

أما السلع غير الاستراتيجية، مثل الأسمنت، الحديد، السيارات والسلع المصنعة، فقد بلغت 615.2 مليون دولار، ويمكن تقليصها جزئيًا عبر رسوم أو قيود تنظيمية، لكن ذلك يصطدم بمصالح مستوردين نافذين.

هذا التركيب يُظهر اختلالًا هيكليًا مزدوجًا: الاعتماد على الذهب كمصدر رئيسي للصادرات، مقابل حاجة مستمرة لواردات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، ما يزيد هشاشة الاقتصاد أمام أي أزمة في النقد الأجنبي أو تعطّل سلاسل الإمداد.

إجراءات غير كافية

وفي رده على سؤال (التغيير) حول القرارات الحكومية الأخيرة لرئيس الوزراء كامل إدريس لوقف تدهور العملة المحلية، أكد أبوعبيدة أنها غير كافية.

وقال: رغم أن الحكومة أعلنت حزمة من (10) إجراءات لمكافحة التهريب وتنظيم تجارة الذهب عبر منصة رقمية وتوحيد الشراء، إلا أن هذه القرارات لن تنجح وحدها في إنقاذ الموقف.

وأضاف: صحيح أنها قد تمنع تسرب الدولارات القائمة، لكنها لا تخلق تدفقات جديدة من العملة الصعبة.

كما أن احتكار شراء الذهب من دون تحديد سعر محفز قريب من الأسعار العالمية قد يدفع المنقبين إلى التهريب مجددًا.

قفزة الأسعار

من جانبه، قال الاقتصادي الضو محمد عبد الله بخيت لـ(التغيير)، إن انخفاض سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الاجنبية ظل متواصلاً منذ بدء الحرب وحتى الآن بصورة متدرجة لكنه سجل قفزة كبيرة هذه المرة.

وبالعودة إلى ما قبل منتصف ابريل 2023 “قبل الحرب” كان السعر (460 570 ) جنيه ووصل حاليا (3200) جنيه بنسبة زيادة كبيرة خلال عامين وخمسة أشهر من عمر الحرب ولازالت الزيادة مستمرة.

تأثير قرارات الإمارات

وأضاف الضو: طبعا هذه الزيادة مردها للقرارات التي اصدرتها الإمارات مؤخرا حيث أن اكثر من 80% من صادرات الذهب من أبوظبي.

وتابع: أيضاً تأثر التجار بهذه القرارات حيث بدأوا في شراء وتخزين الدولار في انتظار ما تسفر عنه الأوضاع الجديدة ولتعويض خسائرهم من توقف التجارة لذلك شهدت الفترة الماضية هجمة شراء شرسة للدولار.

وزاد الضو: للاسف الشديد الدولار عندنا يتم التعامل معه من قبل التجار كسلعة وليس عملة وسند قابل للتداول الأمر الذي يسبب خللاً كبيراً في سوق العرض والطلب.

واستطرد: هذا ليس سبب الأزمة الحقيقي ولكنه جزء منها. وأقولها بكل صدق هنالك هامش زيادة في السعر ربما يصل لـ(10%) من السعر الحقيقي نتيجة للمضاربات بين التجار. كذلك الحكومة حاولت مجاراة التجار بشراء المعروض في السوق فحدث جفاف في السيولة الحرة وارتفعت الاسعار بشكل جنوني.

بدائل وإجراءات

من جانبه، دعا ابوعبيدة سعيد إلى اتخاذ جملة من الإجراءات الإسعافية تبدأ بتحسين عائد الذهب: بفتح أسواق بديلة مثل تركيا، الهند، وسويسرا عبر عقود FOB سريعة، مع تقديم أسعار تنافسية.

وتوقع أن يسهم ذلك في زيادة العائد بنحو 50 مليون دولار شهرياً.

وقال: ثانيا، تعظيم صادرات غير الذهب: تشغيل مسلخ الكدرو بكامل طاقته، توقيع عقود مع السعودية وعمان، وتجهيز السمسم والصمغ العربي للتصدير المباشر إلى الهند وأوروبا، ما يضيف نحو 30 مليون دولار شهريا وذلك عبر انشاء وتفعيل محافظ الصادرات السلعية عبر اكثر من بنك او صناديق استثمارية.

وأضاف: ثالثا، استقطاب تحويلات المغتربين: إصدار “سندات ادخار مضاربة للمغتربين” بعائد (57%)، مع إطلاق مبادرة إعمار بقيمة 2 مليار دولار لاعمار الدار، متوقع أن يجذب حوالي 70 مليون دولار شهرياً من التحويلات الرسمية.

ورابعا، خفض الواردات الانتقائي: فرض رسوم إضافية (3050%) على السيارات الفاخرة، الإلكترونيات الكمالية، والمشروبات الغازية، والحديد والاسمنت، مع استمرار تسهيلات الاستيراد للسلع الضرورية، مما يوفّر نحو 53 مليون دولار شهرياً.

وبهذا، يُغطى الفجوة الشهرية البالغة 203 مليون دولار، وهو الهدف المالي العاجل للاستقرار النقدي بحسب رأي أبوعبيدة.

النجاح رهين الإرادة السياسية

وختم أبو عبيدة حديثة قائلاً: خلاصة، الأزمة كمية وليست سعرية: المشكلة ليست فقط في سعر الصرف، بل في فجوة ضخمة بين ما يدخل البلاد من دولارات وما يخرج منها مع وجود مضاربين في العملات الاجنبية.

ووصف القرارات الرقابية بأنها أشبه بمحاولة سد ثقب صغير في قارب تغمره المياه، بينما المطلوب هو مضخة طوارئ لجلب تدفقات جديدة عبر الصادرات والتحويلات، مع ضبط الواردات الكمالية.

وأردف: “النجاح يعتمد على الإرادة السياسية وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، مع التنفيذ السريع قبل أن تتفاقم آثار القطيعة مع الإمارات”.

المصدر: صحيفة التغيير

شاركها.