اخبار السودان

وثيقتان غير دستوريتين وغير شرعيتين (ملاحظات أولية على دستور الجنجويد وتعديلات الجيش المختطف للوثيقة الدستورية)

د. أحمد عثمان عمر

 

بدأت سلطتا الأمر الواقع غير الشرعيتين، في قصف الشعب السوداني بوثائق دستورية غير دستورية وغير شرعية، بالمواكبة للقصف بالمدفعية والطيران الحربي، والإبادة المتعمدة من قبل الطرفين للمواطنين، في محاولة لتكريس نتائج الحرب، وفرض نفسيهما كسلطتين بقوة السلاح، بعد أن قاما معا بالانقلاب على السلطة الانتقالية شبه المدنية للانفراد بالسلطة كاملة في أكتوبر 2021م، وأشعلا الحرب الماثلة لاستحالة استمرار الانقلاب برأسين، ولإرتباطات كلا منهما الخارجية المقوضة للسيادة الوطنية. وبالرغم من أن التعليق على الوثيقتين الكارثيتين يحتاج إلى مساحة كبيرة ودراسة دقيقة تفضح طبيعتهما غير الديمقراطية، وتعارضهما مع أهداف ثورة ديسمبر المجيدة، إلا أن ضيق حيز المقال يجبرنا على الاكتفاء مرحليا بملاحظات أولية، لحين توفر الوقت والمساحة لتقديم نقد منفرد لكل وثيقة على حدة. وفي هذا السياق، نوجز ملاحظاتنا على الوثيقتين فيما يلي:

أولا: وثيقة سلطة الأمر الواقع غير الشرعية بتعديل الوثيقة الدستورية المعيبة:

١ نصت الوثيقة في ديباجتها على أنها صادرة عملا بأحكام الوثيقة الدستورية، وهذا بالطبع مستحيل، لأن الوثيقة الدستورية لا تعطي أي جهة غير المجلس التشريعي بأغلبية الثلثين، الحق في تعديل الوثيقة الدستورية. فمجلسي السيادة والوزراء مجتمعين، لا يملكان الحق في تعديل الوثيقة الدستورية المعيبة، لأن سلطتهما الممنوحة بموجب المادة (٤)، تقتصر على تشريع القوانين فقط في غياب المجلس التشريعي، ولمدة تسعين يوما انقضت منذ سنوات. وتعديل الوثيقة المعيبة مخصص له المادة (٧٨)، التي قصرت الحق في التعديل على المجلس التشريعي وبأغلبية خاصة. وحقيقة أن المكون المدني في سلطة شبه المدنية المتمثل في التيار التسووي الذي أوردنا موارد الهلاك قد شارك في تعديل الوثيقة المعيبة لاستدخال إتفاق محاصصة جوبا، لا تعطي المجلسين الحق في اختطاف سلطة التعديل ولا تضفي أي شرعية، لأنها سابقة غير دستورية وغير شرعية.

٢ بإفتراض مجرد إفتراض لا نسلم به أن للمجلسين الحق في تعديل الوثيقة المعيبة، فإن المجلسين المعنيين ليسا موجودين الآن، فالإنقلابي المزمن قام بحلهما بموجب بيان انقلاب أكتوبر 2021م ، وكون مجلس سيادته الحالي دون أن يكون له سلطة الحل أو التكوين، في مخالفة واضحة لنصوص الوثيقة المعيبة، وارتكاب لجريمتي تقويض الدستور والتمرد المنصوص عليهما بالقانون الجنائي وقانون القوات المسلحة. وهذا يعني أن من أصدر هذا التعديل غير ذي صفة، وغير ذي شرعية لإصدار التعديل الماثل، حتى وإن أعطينا المجلسين الحق في إصدار التعديل تجاوزا.

٣ استحدث التعديل نصا خاصا بمصادر التشريع، للتأسيس للدولة الدينية الاستبدادية مجددا، بعد أن تخلصت الوثيقة المعيبة من هذه البدعة غير الحميدة. فالنص على ان مبادئ الدين الإسلامي ومصادر تابعة له أخرى هي مصدر التشريع، يعني عودة دولة التمكين كاملة غير منقوصة في الفترة الإنتقالية المزعومة الممدة. وذلك لأن من يشرع هو الحركة الإسلامية المجرمة، والتي ستشرع وفقا لفهمها هي لمبادئ الدين الإسلامي ، هذا في حال إفتراض أن المصادر المذكورة متكافئة، ناهيك عن أنها ليست كذلك، بإعتبار أن القيم والأعراف محكومة بنصوص التشريع في الشريعة الإسلامية، وأن الشريعة تضع الأديان الأخرى كحاكم للأحوال الشخصية فقط، والتوافق الشعبي هو آلية للتشريع وليس مصدرا له. فذكر مصادر التشريع هو حيلة لإقامة الدولة الدينية، ومجرد تكرار لما ورد بالمادة (٦٥) من دستور الإنقاذ في العام ١٩٩٨م، وهذا وحده يفضح طبيعة التشريع والمشرع.

٤ مددت التعديلات حكم سلطة الأمر الواقع غير الشرعية لتسعة وثلاثين شهرا قادمة، في إطالة لعمر الإنقلاب وتكريس للتمكين، واشترطت لإنهائه قيام توافق مستحيل قيامه، أو الإتجاه للإنتخابات. وبذلك حاولت شرعنة الإنقلاب الميت مجدداً، وتمديد عمر الدولة الدينية الاستبدادية وحكم العسكر لسنوات قادمة، تنتهي بإدارتهم هم لانتخابات مسيطر عليها، تفرض الحركة الإسلامية المجرمة على الشعب السوداني وتؤكد إستمرار التمكين ، فتأمل!! .

ثانياً: وثيقة دستور الجنجويد: ١ تبدأ الوثيقة بالزعم في ديباجتها بأنها صادرة عن شعوب السودان صاحبة السيادة على مصيرها وأرضها، وفي هذا إقرار ضمني بأن من له حق إصدار مثل هذه الوثيقة هو الشعب السوداني وحده لأنه صاحب السيادة. والوثيقة الآن صادرة عن تحالف سياسي بين الجنجويد والحركة الشعبية بالأساس، إنضمت له قوى لا وزن سياسي لها لإكمال الصورة. وغني عن القول أن هذا التحالف لا يمثل شعوب السودان. فإن كانت الحركة الشعبية تمثل جزءا من هذه الشعوب، فالجنجويد عدو صريح لها، وهما معا لا يملكان شرعية تمثيل شعوب السودان وإصدار وثيقة دستورية بإسمها، ولهذا لا شرعية لهذه الوثيقة بإقرار ديباجتها بمن له الحق في السيادة وإصدار التشريعات الدستورية.

٢ زعمت الوثيقة أن السودان دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، وهذا الزعم يفصح عن مشاكل متعددة. فهو ضمنيا يؤكد أن علمانية الدولة وحدها غير كافية من حيث حاجتها للتعريف، ومن حيث ان الدولة العلمانية من الممكن ان تكون استبدادية وشمولية، ومن حيث أن العلمانية لا بد ان تقرن بالديمقراطية حتى تكون مقبولة. وفي تقديرنا ان وصف الدولة بالديمقراطية هو الأهم، وبكل أسف هذه الوثيقة لا تؤسّس لدولة ديمقراطية. فالوثيقة نفسها أتت بوسائل غير ديمقراطية لأنها لم تشرع من قبل هيئة دستورية منتخبة، ولم تصدر بموجب استفتاء، مما يعني عدم صلاحيتها من حيث التشريع لقيام سلطة ديمقراطية، ويجعل أي سلطة تقوم عليها ذات شرعية مبنية على قوة السلاح لا على شرعية ديمقراطية، ويكفي أنها وثيقة صادرة عن الجنجويد لتعرف مدى ديمقراطيتها. فوق ذلك وعلى الرغم من وجود نصوص جيدة تتحدث عن الحقوق والحريات، إلا أنها غير كافية لحماية الشعب في مواجهة سلطة الجنجويد الذين سيسيطرون على تكوين اجهزة الدولة بما فيها الأجهزة العدلية.

٣ الوثيقة نصت في نص متناقض على مبادئ فوق دستورية في حين قررت أن الدستور هو القانون الأسمى ولا يجوز أن تسمو فوقه اي تشريعات أو مصادر. والصحيح هو أن المبادئ المذكورة مبادئ دستورية غير قابلة للنقض والتعديل، وكان المفروض ان ينص على أن هذه المبادئ جامدة ولا يجوز تعديلها وكفى. لكن من الواضح أن الحركة الشعبية قد نجحت في فرض ما ورد بكتيبها المنشور عن المبادئ فوق الدستورية على الجنجويد، كما فرضت عليهم العلمانية وحق تقرير المصير، وأسست بذلك لإنفصال حتما سيحدث، لأن التعايش في دولة سلمية مع الجنجويد مستحيل، بحكم طبيعة هذا المكون الاجتماعية، من قيادة تشكل جزءا أصيلا من الرأسمال الطفيلي، وقاعدة رعوية لا علاقة لها بمنظومة الدولة الديمقراطية الحديثة.

٤ نصت الوثيقة الديمقراطية المزعومة على فترة انتقالية مقسومة لقسمين: أ. فترة ما قبل تأسيسية تستمر ما استمرّت الحرب، أي من الممكن ان تستمر لخمسين سنة قادمة إذا استمرّت هذه الحرب كحرب الجنوب السابقة، ب. فترة تأسيسية انتقالية لمدة عشر سنوات. ولك ان تتخيل هذه الدولة الديمقراطية التي سيحكمها الجنجويد لمدة ربما تستمر لنصف قرن وأكثر، أو على اقل تقدير لعشر سنوات زائدا الفترة التي تستمر فيها الحرب!!!. ٥ والكارثة الكبرى، هو النص على ان الجنجويد زائد الحركة الشعبية والحركات المسلحة الموقعة على ميثاق الجنجويد المعلن في نيروبي، تشكل نواة الجيش الجديد، مما يعني ان اداة القمع الرئيسة التي تحتكر العنف وتكرس سلطة الدولة على المواطن هي في الجوهر الجنجويد. ولك ان تتأمل هذه الدولة الديمقراطية، التي تنص وثيقتها الدستورية المزعومة أنها ستضع استراتيجية لتصفية اقتصاد الريع العشائري أو الرأسمالي الطفيلي!! ولا ندري كيف ستقوم قيادة الجنجويد بتصفية نفسها ونشاطها التجاري يقوم برمته على التطفل، فوق أنه يعتمد على التهريب والنهب ومردود الارتزاق وتأجير البندقية. فمن الواضح ان الوثيقة تدعو هذه القيادة لتصفية نفسها والعمل ضد مصالحها وهذا مستحيل!! مفاد ما تقدم هو أن الوثيقتين غير الشرعيتين وغير الدستوريتين، الهدف منهما تكريس نتائج الحرب، وفرض سلطة كلا من طرفيها لسنوات قادمة. فالجيش المختطف يرغب في تكريس سلطة الحركة الإسلامية المجرمة لتسعة وثلاثين شهرا قد تمدّد لاحقاً حتما في حال استمرار الحرب، تعقبها انتخابات مسيطر عليها بعد تجريف الساحة السياسية، تفوز بها هذه الحركة المجرمة المسيطرة، والجنجويد يرغبون في تأسيس سلطة مستدامة ما دامت الحرب، ليزدادوا عشر سنوات فيما بعدها. وكلاهما يحلم واليقين في يد شعبنا صانع المعجزات، الذي سيسقط السلطتين غير الشرعيتين لا محالة. وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!! .

 

[email protected]

المصدر: صحيفة الراكوبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *