اخبار السودان

سد النهضة الإثيوبي.. سبب زلازل المنطقة أم “ضحية” محتملة لها؟

ضرب إثيوبيا مؤخراً عدد غير مسبوق من الزلازل، سبق ذلك دراسة أمريكية أشارت لوجود تسرب للمياه من سد النهضة وبحيرة التخزين ما جعل البعض يربط بين الأمرين، ما أثار قلقا من حدوث كارثة. فما رأي الخبراء؟ وهل السد معرض للانهيار

سد النهضة الإثيوبي
يرى علماء أن تسريب المياه من جسم السد قد يكون أحد أسباب زيادة الزلازل في إثيوبيا وهو ما يرفضه علماء آخرونصورة من:

أثارت سلسلة من الهزات الأرضية ضربت مناطق مختلفة في إثيوبيا قلقاً شديداً من تعرض سد النهضة لدمار بسبب ما قد يحدث إذا ما تعرض لواحد منها، خصوصاً وأن قوة الزلزال الأخير الذي ضرب وسط البلاد بلغت 6.0 درجة على مقياس ريختر، حسبما ذكرت وكالات رصد الزلازل المتعددة.

وقالت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إن الزلزال وقع بالقرب من منطقة شديدة الاكتظاظ بالسكان وهي منطقة أوروميا التي يبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة. وقال مركز الزلازل الأوروبي المتوسطي إن الزلزال كان على عمق 10 كيلومترات.

وتشهد منطقتا أوروميا وعفار نشاطاً زلزالياً بركانياً مكثفاً أجبر آلاف السكان على إخلاء منازلهم وتسبب في أضرار جسيمة بالبنية التحتية منذ ديسمبر/كانون الأول. وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تعرضت منطقتا عفار وأوروميا لزلزالين طفيفين بعد أن بدأ بركان قريب في إظهار علامات ثوران وشيك في بداية العام.

هذه السلسلة المتلاحقة من الزلازل أطلقت تحذيرات من احتمالات وقوع كوارث مدمرة إذا ما وصلت الهزات الأرضية إلى جسم سد النهضة الإثيوبي .. فما أسباب وقوع تلك الزلازل ولماذا تصاعدت وتيرتها مؤخراً؟

تسرب المياه من السد .. السبب الرئيسي؟

بحسب دراسة أجراها فريق بحثي من جامعتي ميشيغان وأريزونا بالولايات المتحدة ونشرت في دورية “بي إن إيه إس”، التابعة للأكاديمية الوطنية للعلوم فإن تسرباً هائلاً للمياه المخزنة في السد قد وقع، وقُدّر حجم المياه المسربة بنحو 19.8 مليار متر مكعب وذلك خلال السنوات الثلاث الأولى من ملء السد.

في هذا السياق، يقول الدكتور عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة إن ما حدث في الشهرين الأخيرين هو أن عدد الزلازل في إثيوبيا قد تزايد بشدة حتى وصل إلى 180 زلزالا بقوة تتراوح من 4.‏2 إلى 6 درجات على مقياس ريختر.

وأرجع السبب خلال اتصال هاتفي أجرته معه DW إلى “احتمال غير مؤكد بحدوث تسرب للمياه من بحيرة سد النهضة، وأن هذه المياه وصلت إلى منطقة الأخدود وبالتالي ساعدت على وقوع مزيد من الزلازل، وأن هذه المياه عندما تصل لباطن الأرض فإن حرارتها ترتفع لدرجة الغليان، ومن الممكن تحت الضغط الشديد أن تخرج بقوة شديدة وهو ما حدث بالفعل في منطقة محيطة بأحد البراكين الذي بدأ ينشط من حوالي شهر”.

ويقول خبراء إن المياه المسربة تحركت في أخدود النيل الأزرق المتصل بمنطقة سد النهضة، وانتقلت منه إلى مصدر الزلازل الحالية، وهو الأخدود الأفريقي، الممتد على طول شرق أفريقيا، لتكون محفزاً لحدوث الزلازل بهذه الوتيرة المتصاعدة.

ويشير باحثون إلى أن تأثير المياه المسربة على طبقات الأرض مشابه لتأثير الشحم في المحركات أي أنه يقلل من الاحتكاك بين السطوح الصخرية على جانبي الصدع لكنه في الوقت نفسه يجعل الصخور نفسها أكثر عرضة للتحرك والانزلاق، كما أن المياه تعمل على تحلل بعض العناصر في الصخور وتآكلها ما يؤدي لإضعاف الصدوع وبالتالي يسهل من انزلاقها.

“لا دليل علمي على أثر للمياه المسربة”

لكن الدكتور عصام حجي العالم المصري بوكالة ناسا يختلف مع هذا الطرح، وقال حجي خلال اتصال هاتفي مع DW عربية إنه يعمل كمحكم للمجلة التي نشر فيها البحث المشار إليه سابقاً، “وكل ما قالته الدراسة هو أنه تم تسرب جزء من المياه أثناء عملية الملء الأول لسد النهضة، وأن هذه المياه تمتد إلى المياه الجوفية ومناطق أخرى تحت الصدع الإثيوبي، لكنها لم تُشر أبداً إلى أن هذه المياه اتجهت لمنطقة الصدع، بل إنها اتجهت في الاتجاه المعاكس للصدع الأفريقي”، مشيراً إلى أن البعض فسر تسرب المياه بشكل لم تذكره الدراسة وأن الأمر انتشر على مواقع التواصل مسبباً لغطاً شديداً.

وأضاف حجي أن “اللبس الكبير الموجود في الساحة الإعلامية جاء بسبب ما قيل إن هذه الزلازل ناتجة من حركة البراكين في منطقة الصدع الأفريقي وأن هناك تخوفاً من أن يكون سد النهضة هو المسبب لها، وهذا كلام غير علمي بالمرة، وليس له أي إثبات، بل إنه من ضمن انتشار المعلومات غير العلمية”.

وأكد العالم المصري في ناسا أن الحقيقة العلمية هي أن منطقة الصدع الأفريقي الأعظم، وهي المنطقة التي تقع فيها إثيوبيا وجيبوتي، هي جزء من الصدع الكبير في القشرة الأرضية والذي يتحرك منذ ملايين السنين، وهو دائم الحركة الزلزالية ودائم الانفجارات البركانية وليس لأي منشأة يبنيها الإنسان أي قوة في تغيير حركة هذا الصدع، وأن لو كان هذا الأمر صحيحاً لكان السد العالي (وهو بحجم يبلغ ضعف حجم سد النهضة) قد تسبب في أضرار أكبر من السد الإثيوبي، حسب ما أكد حجي.

مصر وسد النهضة .. ما خيارات القاهرة؟

ولا يستبعد خبراء في علوم الأراضي وقوع زلازل أشد قوة في منطقة سد النهضة وما حولها خلال السنوات المقبلة، رغم أن الزلازل التي تقع حالياً تحدث في مناطق بعيدة عن جسم السد لكنها قد تقترب مع الوقت وقد تضرب جسم السد نفسه، الأمر الذي يؤكده الدكتور عباس شراقي، “فهذه الزلازل التي تبعد 500 كم بالفعل عن السد تجعلها وبهذه القوة المتوسطة ليست ذات تأثير مباشر على السد، ولكن الخوف هو أن تحدث الزلازل في أي مكان آخر داخل إثيوبيا وفي أي وقت، خاصة وأن منطقة الأخدود الأثيوبي هي المنطقة الأكثر عرضة للزلازل في البلاد”.

بدوره، يرى أنور إبراهيم الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الإثيوبي أن “هناك مخاوف داخل إثيوبيا خاصة في مناطق شرق البلاد، والتي تقع على الأخدود الأفريقي العظيم ومرتبطة بمناطق في إقليم عفر وهي مناطق زلازل، وإضافة إلى ذلك توجد بها براكين نشطة مثل بركان عرتلة المشهور”.

وأضاف في حوار هاتفي مع DW عربية أن “تواصل هذه الزلازل بصورة مستمرة يثير قلقاً شديداً ما دفع الكثير من الناس للنزوح من مساكنهم خوفاً على حياتهم، على الرغم من أن الزلازل على عمق 10 كم تحت الأرض”.

وأكد عبد الرحمن السيد الخبير الإريتري في قضايا القرن الإفريقي أن تعرض إثيوبيا للزلازل بشكل متكرر سبب وفيات بالمئات. وأضاف خلال حوار هاتفي مع DW عربية أنه “في حال حدوث مشكلة أو أي انهيار لسد النهضة فإن الكارثة ستكون ليس فقط على إثيوبيا وإنما أيضاً على السودان تحديداً، وقد تغرق قرى ومدن سودانية في لحظات تقريباً”.

وأشار السيد إلى المطالب المصرية المتكررة للوصول إلى اتفاق مع إثيوبيا حول إدارة السد وتبادل الخبرات والتعاون مع إثيوبيا، خصوصاً ما يتعلق بدراسات الأمان، “لكن حتى الآن هناك تعنت من قبل الحكومة الإثيوبية في عدم السماح لأي نوع من المراقبة الإدارية والفنية لمجريات الأحداث في السد “.‏

“احتمالية انهيار السد بسبب الزلازل ضعيفة”

خبراء آخرون في السدود تحدثوا عن مخاوف متصاعدة بسبب تراكم كميات ضخمة من الطمي في قاع بحيرة السد وأن عدم التعامل معها وتوزيعها بشكل مستمر قد يتسبب مع الوقت وبسبب الوزن الهائل والضغط الشديد لهذه التراكمات في حدوث انهيار أرضي في مناطق قرب السد.

ويرى الدكتور عصام حجي أن هناك نوع من التهويل بشأن الزلازل التي تقع في إثيوبيا، “فمناطق حدوث الزلازل بعيدة للغاية عن جسم السد كما أنه السد نفسه قد تم تشييده مع الأخذ في الاعتبار الطبيعة الزلزالية لموقع البناء وتم تصميمه بمعايير دولية تحميه من الهزات الأرضية وأن احتمالية انهيار سد النهضة بسبب الزلازل الحالية ضعيفة”، وهو ما أكد عليه أنور إبراهيم الخبير الإثيوبي، والذي قال إن “ما لم يفهمه البعض هو أن السد أجريت له دراسات عدة في السابق منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي وحتى وقت الإنشاء الفعلي”.

ويرى حجي أن الخطر الحقيقي يتمثل في عدم توصل مصر إلى اتفاق على إدارة المياه مع إثيوبيا ما قد يُدخلها في حالة جفاف وتساءلوا عن ما أنجزته مصر خلال 13 عاماً من المباحثات المستمرة مع الجانب الإثيوبي، مضيفاً أن “مصر والسودان ليستا في حالة حرب مع إثيوبيا وإنما الجميع في حالة حرب ضد التغيرات المناخية والجفاف”.

واختتم حجي حديثه بالقول إنه من الضروري أن يتعاون العلماء المصريين والإثيوبيين لمواجهة المخاطر المحتملة للسد، “ولكن هذا الجو المشحون لا يساعد على وجود حل، ولا يساعد في تعامل العلماء مع بعضهم، وفي هذه المنطقة من أفريقيا، وخصوصاً الدول الثلاث، لا أحد يستمع لأصوات العلماء، بالشكل المطلوب في هذه القضية”.

DW

 

 

 

 

 

المصدر: صحيفة الراكوبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *