أما بعد..إلغاء الأضاحي يطوق الحكومة لوقف استنزاف جيوب الفقراء

بعد فشل مخططات الاستيراد والدعم والإعفاء الضريبي وغيرها من الإجراءات التي واكبت عيد الأضحى في السنوات الأخيرة، ولم تُسفر عن الحد من موجة الغلاء واستنزاف جيوب الفقراء، ولا عن حماية القطيع الوطني وضمان استمرار تكاثره بما يستوجبه الطلب، لجأ الملك إلى الإهابة بالشعب المغربي بعدم ذبح الأضحية هذا العام، نظرًا لأن القيام بشعيرة عيد الأضحى “سَيلحق ضررًا محققًا بفئات كبيرة من أبناء شعبنا، لاسيما ذوي الدخل المحدود”، وفقًا لما جاء في الرسالة الملكية إلى الشعب المغربي.
هذا القرار، ورغم صعوبته وأثره على فئة عريضة من فقراء الوطن من فلاحين وكسابين، لقي ترحيبًا واسعًا في الأوساط الشعبية، أشاد به الآلاف منذ دقائقه الأولى، وانتشر بقوة هاشتاغ “شكرًا جلالة الملك” على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يؤكد أنه قرار سديد رغم كونه جريئًا.
ولكن، إذا ما تم التوقف عند هذا القرار دون أن تلحقه إجراءات عاجلة وصارمة، فسيؤدي إلى عكس المطلوب وغير المتوخى، مما قد يعود بتبعات اجتماعية واقتصادية وخيمة، خاصة وأن السوق المغربية غنية بالجشعين والمحتكرين والمضاربين ومتقني السباحة في المستنقعات والتغذي على الأزمات.
فمن بين التحديات التي قد تحد من أثر قرار إلغاء شعيرة أضاحي العيد هو الأثر المباشر للقرار نفسه على أسواق المواشي، حيث من المفروض والمعلوم أن الأسابيع المقبلة ستشهد ركودًا وجمودًا سيؤدي إلى ارتفاع العرض وتراجع الطلب، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار الأسعار، والخوف أن ينتهي المطاف برؤوس القطيع الوطني أمام سكاكين الجزارين وبدلًا من الاستمرار في الضيعات والزرائب، وخاصة سكاكين كبار الجزارين والمضاربين في أسواق اللحوم الحمراء القادرين على الاحتكار وحفظ اللحوم مدة تضمن لهم البيع بالأسعار الملتهبة التي تحرق جيوب المواطنين منذ شهور.
وحتى لو اختار الفلاح والكساب الصغير الحفاظ على قطيع إلى العام المقبل، فإن الغلاء الذي ينتظر سوق الأعلاف أمام زيادة الإقبال، وموجة الجفاف، وعدم توفر هذا الفلاح الصغير على مخزون الحبوب والأعلاف، فسيجد نفسه عاجلًا أم آجلًا مستسلمًا للتخلص من قطيع بأي سعر، “فاللهم خسارة ولا خسارتين”.
خطر آخر دق ناقوسه ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي يشتغلون في قطاع تربية المواشي، يتمثل في الشيكات التي وضعها عدد من مربي المواشي لدى شركات الأعلاف، ورغم كون وضع الشيك على سبيل الضمان ممنوعًا قانونًا، إلا أنه سلوك ما زال سائدًا، وغالبًا ما يدفع ثمنه صاحب الشيك الذي يبدأ مستثمرًا وينتهي به المطاف مسجونًا.
ثم لا يجب أن ننسى أن الحفاظ على القطاع الوطني يبدأ أولًا، وقبل إلغاء أضحية العيد، بالحفاظ على المخزون الوطني من “الخروفة”، فالسماح بذبح النعاج (بمعناها اللغوي وليس التداولي)، وتوجيه لحومها إلى الأسواق حتمًا سيؤدي إلى قطع سلسلة التكاثر وسيؤثر على استدامة السلالات المغربية حتى لو امتنعنا عن ذبح الأضاحي عدة أعوام.
أمام هذه المخاطر، ولو سمح المقال بتعداد غيرها لما كفت الأسطر، وجب على الحكومة استنفار مجلسها وأجهزتها وقطاعاتها المعنية لاتخاذ قرارات عاجلة تهم تنظيم أسواق المواشي وضبط أسواق اللحوم، ولجم المحتكرين والمضاربين، ودعم الكساب والفلاح الفقير، وحمايته من الجشع والتهديد ورفع قدرته على توفير الأعلاف والأعلاف البديلة الطبيعية (الزرع المستنبت، والأزولا، والبونيكام، والقطف… إلخ)، وإلا فإننا سنندب وجوهنا العام المقبل على عيد أضعنا الاحتفال به، وعلى قطيع فقدنا جزءًا أكبر منه، وعلى جشع انهزمنا أمامه.
المصدر: العمق المغربي