اخبار السودان

البرهان وتعديل الوثيقة الدستورية : محاولة فاشلة للشرعنة

حسن عبد الرضي الشيخ

 

منذ استيلائه على السلطة عبر انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، لم يترك عبد الفتاح البرهان وسيلة إلا وجربها في سبيل الاحتفاظ بالكرسي، غير أنه كلما أوغل في القمع والتلاعب بالوثائق السياسية، ازداد عزلةً وانهارت قبضته أكثر فأكثر.

 

قتل شباب الثورة، لكنه لم يفلح في إخمادها. تحالف مع حميدتي، فكان التحالف وبالًا عليه. خطط للانقلاب على شركائه المدنيين، ثم خان زملاءه في المجلس السيادي وأودعهم السجون، لكنه لم يحصد إلا المزيد من الفشل. وحين حاول الكيزان فرضه بالقوة، أجبر عبد الله حمدوك على الاستقالة، فكانت استقالة حمدوك شهادة على سقوط الشرعية.

 

ثم جاءت حربه ضد قوات الدعم السريع، حربٌ رسم ملامحها مع بقايا النظام البائد، لكنها لم تمنحه الهيمنة، بل كشفت ضعفه وهشاشة حكمه. ولمّا لم يجد مخرجًا، لجأ أخيرًا إلى حيلة تعديل الوثيقة الدستورية، وكأنه يظن أن تغيير الكلمات سيمنحه السلطة التي خسرها في الواقع.

 

الوثيقة الدستورية بين التمزيق والتعديل

 

إن الوثيقة التي عدلها البرهان لم تعد دستورية، بل أصبحت “عملًا غير صالح”، مجرد نص مشوه يُراد فرضه بالقوة، مثل كل محاولاته السابقة للشرعنة. فكيف يمكن لشخص انقلب على الوثيقة نفسها، ومزقها بيده قبل أكثر من ثلاث سنوات، أن يعود الآن ليعدلها؟ .

 

أما كان الأجدى، طالما ألغى كل ما يشير إلى الحرية والتغيير، أن يكون صريحًا ويضع لنفسه وثيقة جديدة بدلًا من العبث بجهود لجان الثورة؟ لكنه لم يفعل، لأنه يعلم أن أي وثيقة يكتبها ستظل بلا شرعية، تمامًا كحكمه.

 

“العقلية العسكرية” وعجز الحكم المدني

 

المفارقة أن البرهان، رغم محاولاته المتكررة للظهور كرجل دولة، لم يستطع تجاوز عقلية “الزندية”. دخل السياسة بالسلاح، وحاول إدارتها بالترقيع والتلفيق، لكنه في كل مرة يجد نفسه أمام شعب لا يقر له بشرعية.

 

لذلك، لم يكن مفاجئًا إلغاؤه للبند المتعلق بتشكيل لجنة التحقيق في مجزرة فض اعتصام القيادة، إذ يدرك أن دماء الشهداء ستظل لعنة تطارده. وماذا عن تعديله للبند المتعلق بحملة الجوازات الأجنبية؟ هل سيشمل ذلك رموز نظامه الذين يحملون الجوازات الأجنبية، أم أن “التمييز السياسي” بات جزءًا من فلسفته؟ .

 

الشعارات باقية … والحكم العسكري إلى زوال

 

قد يظن البرهان أن تعديله للوثيقة سيمنحه شيئًا من الشرعية، لكن ذاكرة الثورة أقوى من أي حيلة. ما زالت الشعارات تملأ الشوارع: “حكم العسكر ما بتشكر!”، “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل!” و”برهان مالو؟ برهان (حلمان). الجابو منو؟ جابو الكيزان!” .

 

وهل نسي شعارات سبتمبر التي ما زالت تقض مضاجع جماعته؟ “أي كوز ندوسو دوس، ما بنخاف، ما بنخاف!”.

 

البرهان قد يحلم بأن يحكم للأبد، لكنه لا يستطيع فرض أوهامه على شعب قرر منذ ديسمبر ٢٠١٨م أن لا عودة للوراء. وكما قال د. بكري الجاك:

 

“إذا أراد البرهان أن يكون إمبراطورًا فليقلها صراحة، لكنه لا يستطيع أن يأتي ليعدل وثيقة صنعها آخرون ويعتبرها شرعية. الواقع السياسي واضح: لا شرعية سياسية ولا دستورية للبرهان”.

 

*التاريخ لا يرحم، والثورة لا تموت*.

 

[email protected]

المصدر: صحيفة الراكوبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *