الصوم جُنّة من المادية

العبادات كلها لله تعالى، وهل تعقل عبادة لغير الله جل في علاه؟، {فاعبد الله مخلصا له الدين}، بل الطاعات كلها لله وحده سبحانه، فما معنى أن يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي الشهير: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به”.
إن هذا التعظيم للصوم من الله العلي العظيم جل جلاله الذي لا تدرك عظمته العقول هو تنبيه عظيم لكل ذي لب وعقل على أن عبادة الصوم عبادة جليلة لا تدرك العقول مدى جلالها وعظمتها، ما يقتضي أن لها حكما وأسرارا لا يمكن لعقول البشر القاصرة الناقصة أن تدرك كنهها ولا تبلغ مداها، ولو لم يرد في تعظيم الصوم وفضله إلا هذا القول الرباني الجليل لكفى حظا وحثا على تعظيمه والاهتمام للامتحان به والنجاح فيه، لا جرم أن وجدنا الله تبارك وتعالى قد عظّم الشهر الذي تجب فيه هذه العبادة تعظيما خاصا، إذ جعله شهر نزول القرآن العظيم وكفى ذلك تعظيما، وفتّح فيه أبواب الجنة، وغلّق أبواب الجحيم، وصفّد الشياطين، وكل هذا تنويه وتنبيه على خصوصية العبادة بتبريز خصائص زمانها.
لقد قيل الكثير في حِكم الصيام وأسراره ومقاصده، ومن أجمع القول في ذلك قول الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله: “للصوم فوائد: رفع الدرجات، وتكفير الخطيئات، وكسر الشهوات، وتكثير الصدقات، وتوفير الطاعات، وشكر عالم الخفيات، والانزجار عن خواطر المعاصي والمخالفات. وللصوم فوائد كثيرة أُخر، كصحة الأذهان، وسلامة الأبدان”.
وإضافة لهذا ولغيره أريد أن أجلّي حِكمة بالغة من حكم الصوم ألمح إليها الإمام ابن القيم رحمه الله، ولم يهتم بها على أهميتها وفرادتها وضرورتها في هذا الزمن خاصة، الذي غلبت فيه المادية فأكلت الناس أكلا، وهي أن الابتلاء الذي ابتلانا الله تعالى به أساسا في هذه الدنيا قائم على أيهما يفضل الإنسان: الدنيا أو الآخرة؟، العاجلة أو الآجلة؟، ما عنده أم ما عند الله تعالى؟
ومع أن الاختيار يفترض أن يكون واضحا وحاسما إلا أن الإنسان في غالب أحواله يسيء الاختيار، فيختار الدنيا العاجلة على ما عند الله تعالى، وهو ويقرأ قول الله تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق}، وقوله سبحانه: {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل}، {وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع}، ومع هذه الحقيقة الناصعة والبيان القرآني الأنصع إلا أن أكثر الناس يختارون الفاني على الخالد، والمتاع القليل على المتاع الأبدي، قال الحق سبحانه: {كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة}، وقال في آية يحفظها كلّ المسلمين حتى تكون حجة عامة على عامتهم: {بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى}.
وعبادة الصيام بما تتميز به من خصوصيات أقلها: أن الجوع والعطش لا يتقرب بهما إلى ملوك الأرض، ولا للأصنام، كما يقول سلطان العلماء ابن عبد السلام، وأعلاها أنه عبادة بين العبد وربه تعالى، فهي عبادة تركية لا يراها الناس ولا يعلموا بها، فلو تظاهر امرؤ بالصوم ثم إذا خلا أكل وشرب، لم يشعر به أحد، والمؤمن يكون خاليا أمامه شهي الطعام وطيب الشراب، مع جوعه وعطشه وشدة الحر، ولن يقرب شيئا من ذلك عبودية لربه وحده سبحانه، هذه العبادة الخاصة جدا من آثارها وأسرارها أنها تقوي الإنسان في معركة الاغترار بالدنيا والانجرار وراء شهواتها، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “حتى أَن الصائم ليتصور بِصورة من لا حاجة له في الدنيا إلا في تحصيل رضى الله، وأي حسن يزِيد على حسن هذه العبادة التي تكسر الشهوة وتقمع النفس وتحي القلب وتفرحه، وتزهد في الدنيا وشهواتها، وترغب فيما عند الله..”، وهذا ملمح نفيس غاية في النفاسة، خاصة في زمن المادية الأهوج هذا.
فلا شك أن الصيام جُنّة من المادية، أي وقاية منها ومن آثارها، ولا شك بعد أن أسرار الصيام أعظم وأكثر من كل ما قيل: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة