يرى خبراء الصحة النفسية والعصبية علاقة متزايدة بين حالات الاكتئاب، وخاصةً في منتصف العمر، وزيادة خطر الإصابة بـالخرف. ومع ذلك، لا يزال التفسير الدقيق لهذه العلاقة قيد البحث، لكن دراسة حديثة تشير إلى أن بعض أعراض الاكتئاب قد تكون مؤشرات أقوى من غيرها. تستكشف الأبحاث الجديدة كيف يمكن لأنماط معينة من المشاعر والتفكير أن تزيد من احتمالية تطور الخرف على مدى عقود.

وفقًا لدراسة حديثة نشرت في مجلة “ذا لانسيت للطب النفسي”، فإن ستة أعراض محددة للاكتئاب في منتصف العمر مرتبطة بزيادة تصل إلى 50% في خطر الإصابة بالخرف. شملت الدراسة التي استمرت 25 عامًا أكثر من 5800 شخص شاركوا في دراسة وايتهول الثانية، والتي بدأت في عام 1985، وكانت جميعهم قد سجلت لديهم حالات اكتئاب بين عامي 1997 و1999.

فهم العلاقة بين الاكتئاب والخرف

أظهرت الدراسة أن الأفراد الذين عانوا من الاكتئاب في منتصف العمر كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف بنسبة 27% بشكل عام. لكن الباحثين اكتشفوا أن هذه الزيادة في المخاطر كانت أكثر وضوحًا لدى أولئك الذين أبلغوا عن ستة عوامل معينة مرتبطة بالاكتئاب. اثنان من هذه العوامل، وهما انخفاض الثقة بالنفس وصعوبة التعامل مع المشكلات اليومية، كانا مرتبطين بزيادة خطر الإصابة بالخرف بنسبة تقارب 50%.

وتشمل الأعراض الستة التي تم تحديدها:

– فقدان الثقة بالنفس.

– عدم القدرة على مواجهة المشكلات.

– انعدام الشعور بالدفء والمودة تجاه الآخرين.

– الشعور بالتوتر والقلق الدائمين.

– عدم الرضا عن أداء المهام.

– صعوبة التركيز.

أوضح الدكتور فيليب فرانك، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن النتائج تشير إلى أن خطر الإصابة بالخرف يرتبط بمجموعة محددة من أعراض الاكتئاب، وليس بالاكتئاب كحالة واحدة شاملة. هذا النهج التفصيلي يوفر فهمًا أعمق للأفراد الأكثر عرضة للخطر قبل سنوات عديدة من ظهور المرض.

أهمية الكشف المبكر

تؤكد الدراسة على أهمية الانتباه إلى الأعراض اليومية للاكتئاب في منتصف العمر، حيث يبدو أنها تحمل معلومات قيمة حول صحة الدماغ على المدى الطويل. قد يفتح هذا التركيز على الأنماط الجديدة آفاقًا للوقاية المبكرة والتدخلات التي تهدف إلى الحفاظ على الوظائف الإدراكية. تشير الأبحاث إلى أن معالجة هذه الأعراض قد تساعد في تقليل خطر الإصابة بالخرف.

بالإضافة إلى ذلك، فإن فهم العلاقة بين الاكتئاب وعوامل الخطر الأخرى، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية و السكري، يمكن أن يساعد في تطوير استراتيجيات وقائية أكثر فعالية. يُعتقد أن هذه الحالات الصحية تساهم في تطور الخرف، وقد يؤدي الاكتئاب إلى تفاقم هذه المخاطر.

هل يعني الاكتئاب حتمية الإصابة بالخرف؟

لا، الاكتئاب لا يعني بالضرورة الإصابة بالخرف. توضح الدراسة الحالية وجود ارتباط، ولكنها لا تثبت علاقة سببية مباشرة. ويشدد الباحثون على الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج وتحديد الآليات البيولوجية التي تربط بين الاكتئاب وزيادة خطر الإصابة بالخرف.

صرح الدكتور ريتشارد أوكلي، المدير المساعد للبحوث والابتكار في جمعية ألزهايمر، بأن العلاقة بين الخرف والاكتئاب معقدة. وأشار إلى أن هذه الدراسة الرصدية الجديدة تشكل خطوة واعدة في فهم كيفية ترابط الحالتين، لكنه أكد أيضًا على ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث لتحديد ما إذا كانت هذه الأعراض الستة تنطبق على نطاق أوسع من السكان، بما في ذلك النساء والأقليات العرقية.

من المهم التأكيد على أن ليس كل من يعاني من الاكتئاب سيصاب بالخرف، وأن الأشخاص المصابين بالخرف لن يعانون بالضرورة من الاكتئاب. الاكتئاب هو حالة صحية قابلة للعلاج، ويمكن أن تساعد التدخلات المبكرة في تحسين نوعية حياة الأفراد.

من المتوقع أن تستمر الأبحاث في هذا المجال، مع التركيز على تحديد العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تساهم في العلاقة بين الاكتئاب والخرف. قد تساعد هذه الجهود في تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أكثر فعالية، بهدف تأخير أو منع ظهور الخرف وتحسين صحة الدماغ بشكل عام. من المقرر نشر نتائج دراسات متابعة في غضون العامين المقبلين، والتي قد تقدم رؤى إضافية حول هذه العلاقة المعقدة.

شاركها.