شهدت السنوات القليلة الماضية تطورات متسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، وأثبتت هذه التكنولوجيا قدرتها على إحداث تحولات كبيرة في مختلف القطاعات. يتوقع الخبراء والمؤسسات أن يشهد عام 2026 مرحلة جديدة من النضج والاعتماد الواسع النطاق على الذكاء الاصطناعي، ليس كمشاريع تجريبية، بل كجزء أساسي من البنية التحتية والعمليات اليومية للشركات والمؤسسات. هذا التحول يترافق مع تحديات وفرص جديدة تتطلب استعداداً دقيقاً.

وبعد سنوات من التجارب والمبادرات الرائدة، ينتقل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة التنفيذ الفعلي والدائم داخل أقسام تكنولوجيا المعلومات في المؤسسات. لم يعد التركيز منصباً على العروض التوضيحية المبهرة، بل على القدرة على أداء المهام اليومية بشكل موثوق وفعال. ومع ذلك، تواجه الشركات قيوداً تتعلق بالتوسع، بما في ذلك التكاليف المتزايدة للطاقة والظروف الجيوسياسية المتغيرة.

مستقبل الذكاء الاصطناعي: أبرز التوقعات لعام 2026

تتزايد أهمية الذكاء الاصطناعي الوكيل كبديل للأدوات الذكية التقليدية. هذه الأنظمة ليست مجرد منصات للإجابة على الأسئلة أو إنشاء المحتوى، بل هي قادرة على بدء المهام وإدارة سير العمل بشكل مستقل. أعلنت شركة مايكروسوفت في عام 2025 عن بداية حقبة التعاون بين الإنسان والآلة الوكيلة، وأطلقت أدوات مساعدة قادرة على البحث عن المعلومات وتنفيذ مهام مثل الجدولة والتدريب، مما يشير إلى الاتجاه الذي سيسلكه هذا المجال.

التحول نحو الأنظمة الوكيلة

تشير المؤشرات إلى أن 81% من قادة الأعمال يتوقعون دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل بشكل كامل في خططهم الاستراتيجية خلال الأشهر الـ 12 إلى 18 القادمة، وفقاً لـ “مؤشر اتجاهات العمل لعام 2025” الصادر عن مايكروسوفت. وتتوقع الشركة في تقرير توقعاتها لعام 2026 أن تنتشر هذه الوكلاء على نطاق واسع، وتلعب دوراً أكبر في العمل اليومي، لتصبح أقرب إلى أعضاء الفريق الحقيقيين.

تزايد الاستخدام في أتمتة العمليات

من المتوقع أن تستفيد المؤسسات بشكل كبير من وكلاء الذكاء الاصطناعي في عام 2026، خاصة في المجالات التي يمكن فيها للأتمتة أن تقلل من تكاليف التشغيل. هذه الأنظمة قادرة على جدولة العمل، وتوجيه طلبات الخدمة، والتنسيق بين مختلف المنصات، مع تدخل بشري محدود، مما يحول الذكاء الاصطناعي إلى “زميل عمل رقمي”.

حوكمة الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية

مع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، تصبح حوكمة هذه التكنولوجيا المنظمة أمراً ضرورياً. لم يعد الإشراف غير الرسمي كافياً، خاصة مع تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على تفاعلات العملاء، وقرارات التوظيف، والنتائج التشغيلية. كشف استطلاع أجرته شركة “غريدينت فلو” في عام 2025 أن 75% من المؤسسات لديها بالفعل سياسات رسمية للذكاء الاصطناعي تحدد الاستخدامات المقبولة والمحظورة.

ومع ذلك، فإن وجود السياسات لا يضمن تطبيقها بشكل متسق. غالباً ما تُستخدم الإرشادات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي كمرجع أكثر من كونها ضوابط تشغيلية فعلية. ومع توسع نطاق الذكاء الاصطناعي الوكيل والقرارات الآلية، تواجه المؤسسات ضغوطاً متزايدة لترجمة هذه السياسات إلى إجراءات عملية وضوابط تكنولوجية واستراتيجيات مساءلة واضحة. ويؤدي الضغط التنظيمي إلى تحويل المؤسسات نحو تطبيق ضوابط تنفيذية.

على سبيل المثال، سيدخل قانون الذكاء الاصطناعي التاريخي للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ الكامل في أغسطس 2026، ليفرض التزامات على الأنظمة عالية المخاطر ويحدد قواعد للقطاعات المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، فإن قضية السيادة الرقمية تكتسب زخماً، حيث تسعى الحكومات إلى التحكم في أماكن تخزين البيانات وتدريب النماذج ومزودي الخدمات، مما يعيد تشكيل بيئة تشغيل الذكاء الاصطناعي.

الإنفاق المتزايد على الحوسبة السحابية

يتسارع الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي مع توسع عمليات الاستعانة بأنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلة. يمثل الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لنمو الحوسبة السحابية، لكن هذا النمو مرتبط بأحمال العمل الإنتاجية، وليس التجارب. تتوقع مؤسسة “غارتنر” أن يصل إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات إلى 6.08 تريليون دولار أميركي في عام 2026، بزيادة قدرها 9.8% عن عام 2025.

ومع تسارع الإنفاق، تواجه المؤسسات تحديات في تحقيق التوازن بين الأداء والتكلفة والاعتماد على الموردين. يجب أن تكون قرارات البنية التحتية استراتيجية لضمان تكاليف تشغيل منخفضة ومنافسة فعالة. تتجه المؤسسات أيضاً نحو تبني نماذج مصادر مفتوحة للتحكم بشكل أكبر في التدريب والنشر.

انتشار الذكاء الاصطناعي المادي والتحسينات اللوجستية

يتجاوز تأثير الذكاء الاصطناعي نطاق البرمجيات ليشمل البيئات المادية، مثل المستودعات والمصانع وشبكات الخدمات اللوجستية. تُستخدم الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي المادي بشكل متزايد في مهام الفحص والفرز والنقل، مما يساهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف. تشير تقديرات شركة ماكينزي إلى إمكانية أتمتة أكثر من نصف القوى العاملة في الولايات المتحدة باستخدام التكنولوجيا الحالية. ومع ذلك، من المرجح أن تؤدي الأتمتة إلى إعادة تشكيل الوظائف، بدلاً من إلغائها بشكل كامل.

يتطلب تبني الروبوتات تنسيقاً بين أقسام تكنولوجيا المعلومات والعمليات والسلامة وتخطيط القوى العاملة، بالإضافة إلى سياسات حوكمة واضحة للأنظمة المستقلة. من المتوقع أن يكون الذكاء الاصطناعي المجَسّد أحد أبرز المؤشرات على انتقال الذكاء الاصطناعي إلى العمليات اليومية في عام 2026.

بشكل عام، يشير عام 2026 إلى نقطة تحول في تبني الذكاء الاصطناعي. مع استمرار تطور التكنولوجيا، من المهم مراقبة التطورات التنظيمية والاتجاهات في الإنفاق على الحوسبة السحابية وتأثير الذكاء الاصطناعي المادي على القوى العاملة. من الضروري أن تظل المؤسسات على اطلاع دائم بهذه التطورات وأن تتكيف معها لضمان الاستفادة الكاملة من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع إدارة المخاطر المحتملة. وسيكون قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، وتطبيقاته العملية، بمثابة نقطة مراقبة رئيسية لقياس مدى استعداد الشركات والمؤسسات لهذا المستقبل.

شاركها.