طوّر علماء في جامعة هارفورد بالولايات المتحدة أداة علمية جديدة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بسجل زمني لنشاطها الجيني، وهو ما يُعرف بـ “ذاكرة الخلية”. هذا الابتكار، الذي يفتح آفاقًا جديدة في فهم تطور الأمراض مثل السرطان وكيفية استجابة الخلايا للعلاج، قد يساعد أيضًا في دراسة الخلايا الجذعية وتأثير العوامل المبكرة على سلوك الخلية.
كيف تعمل “ذاكرة الخلية”؟
تعتمد هذه التقنية على هياكل خلوية صغيرة تسمى “الفولتات” Vaults، والتي كانت وظيفتها غير معروفة حتى وقت قريب. اكتشف الباحثون أن هذه الفولتات يمكن أن تعمل كـ “خزائن زمنية” تحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.
تخزين الحمض النووي الريبي الرسول
تتواصل الجينات داخل الخلية من خلال إنتاج جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. ولكن هذه الجزيئات قصيرة العمر، مما يجعل من الصعب تتبع نشاط الخلية في الماضي. قام العلماء بتعديل بروتين داخل الفولتات ليتعرّف على هذه الجزيئات ويلتقطها أثناء إنتاجها، ثم يخزنها داخل الفولتات.
عملية تسجيل قابلة للتحكم
يمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها بسهولة عن طريق إضافة أو إزالة دواء معين، مما يوفر تحكمًا دقيقًا في جمع البيانات. أظهرت التجارب أن الفولتات قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول لمدة تصل إلى 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة أسبوع على الأقل دون التأثير على وظيفة الخلية الطبيعية.
تطبيقات واعدة في أبحاث السرطان
تُعد مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج من أكبر التحديات التي تواجه الأطباء. تساعد هذه التقنية الجديدة في فهم الآليات التي تؤدي إلى هذه المقاومة، خاصةً في الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي الخلايا التي تنجو من العلاج دون أن تكون لديها طفرات جينية واضحة.
من خلال تحليل الحمض النووي الريبي الرسول المخزن في الفولتات، اكتشف الباحثون أن هذه الخلايا تظهر نشاطًا غير طبيعي في مئات الجينات قبل بدء العلاج. وقد أظهر تثبيط بعض هذه الجينات زيادة فعالية أدوية السرطان في قتل الخلايا السرطانية.
دراسة الخلايا الجذعية والتطور الخلوي
بالإضافة إلى أبحاث السرطان، يمكن استخدام هذه التقنية لدراسة كيفية تحول الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية معقدة تتطلب تتبعًا دقيقًا للتغيرات الجينية. تتيح “ذاكرة الخلية” للعلماء الحصول على صورة أكثر اكتمالاً لتاريخ نشاط الخلية خلال هذه العملية.
يعتقد الخبراء أن هذه التقنية قد تكمل الأدوات الجينية الحالية وتفتح الباب أمام أنواع جديدة من التجارب البيولوجية. على سبيل المثال، قد يكون من الممكن تطوير الفولتات لتخزين أنواع أخرى من الجزيئات، مثل البروتينات، مما يزيد من نطاق المعلومات التي يمكن جمعها.
الخطوات المستقبلية والتوقعات
لا يزال البحث في هذه التقنية في مراحله الأولى، ولكن النتائج الأولية واعدة للغاية. يخطط الباحثون الآن لتوسيع نطاق دراساتهم لتشمل أنواعًا مختلفة من الخلايا والأنسجة، واستكشاف إمكانية استخدام هذه التقنية في تطوير علاجات جديدة للأمراض المختلفة. من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من التجارب خلال العام المقبل لتقييم فعالية هذه التقنية في بيئات أكثر تعقيدًا، وتحديد أي تحديات أو قيود محتملة.
