قد لا تقتصر فوائد ممارسة الرياضة بانتظام على تحسين الصحة العامة فحسب، بل قد تؤثر بشكل عميق على وظائف القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك إعادة تشكيل الأعصاب التي تنظم ضربات القلب. وفقًا لبحث جديد، يمكن أن تؤدي التمارين الرياضية إلى تغييرات في الجهاز العصبي القلبي، مما قد يفتح آفاقًا جديدة لعلاج أمراض القلب المختلفة.
أظهرت دراسة حديثة أجراها علماء من جامعة بريستول في المملكة المتحدة، أن ممارسة الرياضة قد تساعد في تحسين علاج حالات مثل اضطراب نظم القلب، وآلام الصدر، والذبحة الصدرية، وحتى متلازمة “انكسار القلب” المرتبطة بالتوتر الشديد. وقد كشفت الدراسة عن آلية غير متوقعة لكيفية تأثير النشاط البدني على القلب.
كيف تؤثر التمارين الرياضية على القلب؟
ركزت الدراسة على فئران التجارب التي خضعت لبرنامج تدريبي مكثف استمر لمدة عشرة أسابيع. ووجدت النتائج أن التمارين الرياضية المعتدلة لا تؤثر بشكل متساوٍ على نظام التحكم العصبي للقلب، بل تحدث تغييرات متباينة ومتعاكسة في الجانبين الأيمن والأيسر من الجسم. هذا الاختلاف الدقيق لم يكن واضحًا من قبل.
أشار الباحثون إلى أن هذه التغييرات البسيطة في نمط الحياة قد تقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب لدى عدد كبير من السكان. إن فهم هذه الآلية يمكن أن يؤدي إلى استراتيجيات وقائية وعلاجية أكثر فعالية.
صرح الدكتور أوغوستو كوبي، المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ علم التشريح البيطري بجامعة بريستول، بأن الاكتشاف يسلط الضوء على نمط خفيّ سابقًا في كيفية عمل نظام “الطيار الآلي” في الجسم لتنظيم وظائف القلب. هذا النظام يلعب دورًا حاسمًا في الحفاظ على إيقاع القلب الطبيعي.
نتائج الدراسة بالتفصيل
بعد فترة التدريب، فحص الباحثون الأعصاب التي تتحكم في القلب لدى الحيوانات. اكتشفوا اختلافات ملحوظة بين الجانبين الأيمن والأيسر، لم تظهر في الفئران التي لم تمارس الرياضة. تم نشر هذه النتائج في مجلة علم الأعصاب اللاإرادي في سبتمبر الماضي.
في الجانب الأيمن من القلب، لوحظ زيادة في عدد الخلايا العصبية في مركز العصب المسؤول عن إرسال إشارات “زيادة السرعة”. يشير هذا إلى زيادة في عدد الاتصالات العصبية التي تحفز القلب. في المقابل، لم يزد عدد الخلايا العصبية في الجانب الأيسر بنفس القدر.
بدلاً من ذلك، ازداد حجم الخلايا العصبية الموجودة في الجانب الأيسر بشكل ملحوظ. يعتقد الباحثون أن هذا يشير إلى نوع مختلف من التكيف، ربما يتعلق بتحسين كفاءة الإشارات العصبية. هذا التكيف المتباين هو ما يميز هذه الدراسة.
أظهرت النتائج أن التمارين الرياضية تعيد تشكيل نظام التحكم العصبي للقلب بطريقة فريدة لكل جانب، بدلاً من التأثير على كلا الجانبين بشكل متساوٍ. إن فهم هذه العملية قد يساعد الأطباء على توجيه العلاجات بشكل أفضل، خاصة للمرضى الذين لا يستطيعون ممارسة الرياضة أو الذين لا تتحسن أعراضهم مع تغيير نمط حياتهم. تعتبر أمراض القلب من أهم أسباب الوفاة عالميًا، مما يجعل هذا البحث ذا أهمية خاصة.
شبّه الباحثون مجموعات الأعصاب، المعروفة بالعقد النجمية، بمفتاح تحكم دقيق في شدة تحفيز القلب. يصبح هذا التحكم الدقيق بالغ الأهمية لأن فرط تحفيز هذه الأعصاب يمكن أن يؤدي إلى ألم الصدر واضطرابات خطيرة في نظم القلب.
ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن هذه النتائج لا تزال أولية وتستند إلى أبحاث على الحيوانات. لا يمكن اعتبارها دليلًا قاطعًا على حدوث نفس التأثيرات لدى البشر. يتطلب الأمر المزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج وتحديد مدى قابليتها للتطبيق على البشر.
تخطط الدراسات المستقبلية للتحقيق فيما إذا كانت التغييرات العصبية المماثلة تحدث بين جانبي القلب الأيمن والأيسر لدى البشر. كما سيسعى الباحثون إلى فهم ما إذا كانت هذه التغييرات يمكن أن تفسر سبب فعالية بعض علاجات القلب بشكل أفضل في جانب واحد من القلب مقارنة بالآخر. هذا قد يمهد الطريق لرعاية أكثر دقة وتخصيصًا للمرضى الذين يعانون من الذبحة الصدرية واضطرابات نظم القلب. تعتبر هذه الخطوة ضرورية لترجمة نتائج البحث إلى تطبيقات سريرية.
تم إجراء هذه الدراسة بالتعاون مع باحثين من جامعة كوليدج لندن، وجامعة ساو باولو، والجامعة الفيدرالية في ساو باولو في البرازيل. يؤكد هذا التعاون الدولي على الأهمية المتزايدة للبحث في مجال صحة القلب والأوعية الدموية.
