اجتمع خبراء من جميع أنحاء العالم في نوفمبر 2025 لتقييم أحدث الأبحاث حول تأثير الأطعمة فائقة المعالجة على الصحة العامة، وذلك بتكليف من المجلة الطبية المرموقة “ذا لانسيت”. وقد كشفت النتائج عن ارتباطات قوية بين استهلاك هذه الأطعمة وتلف العديد من أجهزة الجسم، مما يثير قلقاً خاصاً في دول مثل بريطانيا حيث تشكل هذه الأطعمة نسبة كبيرة من النظام الغذائي اليومي.

وفقًا للدراسة، يستهلك الفرد في بريطانيا ما يقرب من 56% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية من الأطعمة فائقة المعالجة. ويقول كريس فان توليكن، أستاذ في كلية لندن الجامعية، إن سوء التغذية أصبح الآن يتجاوز التدخين كسبب رئيسي للوفاة المبكرة على مستوى العالم.

ما هي الأطعمة فائقة المعالجة؟

الأطعمة فائقة المعالجة هي تلك التي خضعت لعمليات تحويل صناعية متعددة، وغالبًا ما تحتوي على مكونات غير موجودة في الأطعمة المصنعة منزليًا، مثل المواد المضافة، والملح، والسكر، والدهون غير الصحية بكميات كبيرة. تشمل الأمثلة الشائعة أصابع السمك، والفاصوليا المعلبة، وحبوب الإفطار المصنعة، والوجبات الجاهزة، والمشروبات الغازية.

ويضيف فان توليكن أن النظام الغذائي البريطاني يعتمد بشكل كبير على هذه الأطعمة، وأن العديد من الأطباق الوطنية التقليدية قد تم تعديلها على مر الأجيال لزيادة الربحية بدلاً من القيمة الغذائية. هذا التحول نحو الأطعمة فائقة المعالجة له تداعيات صحية خطيرة.

تأثير الأطعمة فائقة المعالجة على الأعضاء الحيوية

الكبد

أظهرت دراسة أجريت عام 2023 في جامعة ليفربول، وشملت أكثر من 60 ألف شخص، وجود علاقة مباشرة بين استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وزيادة خطر الإصابة بمرض الكبد الدهني. هذه الحالة تتميز بتراكم الدهون في الكبد، مما قد يؤدي إلى تليفه وفقدان وظيفته.

بالإضافة إلى ذلك، سلطت الدراسة الضوء على دور المواد الكيميائية الصناعية الموجودة في عبوات الأطعمة فائقة المعالجة، والتي يمكن أن تعطل الهرمونات وتسرع تطور مرض الكبد الدهني. ويرجع السبب الرئيسي إلى أن هذه الأطعمة تعيق قدرة الجسم على تنظيم السعرات الحرارية بشكل فعال.

الأمعاء

تلعب الأمعاء دورًا حاسمًا في تنظيم الشهية، ولكن هذه الوظيفة تعتمد على “مصفوفة الطعام” – البنية الطبيعية للأطعمة الكاملة. الأطعمة فائقة المعالجة، بسبب طبيعتها “المُهضّمة مسبقًا”، لا توفر هذه الإشارات الطبيعية، مما يؤدي إلى الإفراط في تناول الطعام وتراكم الدهون في الكبد.

وتشير الأبحاث التي أجرتها ماتيلد توفييه، أستاذة في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والأبحاث الطبية، إلى أن بعض المضافات الغذائية الموجودة في الأطعمة فائقة المعالجة قد تسبب أضرارًا مباشرة للأمعاء، مما يزيد من خطر الإصابة بداء كرون وأمراض الأمعاء الالتهابية الأخرى. كما أن هناك دراسات جارية تبحث في العلاقة بين هذه الأطعمة وزيادة حالات سرطان الأمعاء لدى الشباب.

القلب

يرتبط الاستهلاك المفرط للأطعمة فائقة المعالجة بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك السكتات الدماغية وأمراض القلب التاجية. وقد حددت دراسة حديثة في الولايات المتحدة أن المشروبات السكرية واللحوم المصنعة هي من بين الأطعمة الأكثر ضرراً للقلب.

وتظهر الأبحاث أن بعض المضافات الغذائية الشائعة، مثل الكبريتيت وغلوتامات أحادي الصوديوم، قد تسبب تلفًا في أنسجة القلب وتصلب الأوعية الدموية. ومع ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أن بعض الأطعمة فائقة المعالجة، مثل الخبز المعلب وحبوب الإفطار، قد لا تشكل خطرًا كبيرًا على صحة القلب.

الدماغ

قد يؤثر النظام الغذائي الغني بالأطعمة فائقة المعالجة سلبًا على المزاج والوظائف الإدراكية. تشير الدراسات إلى أن الإفراط في تناول الوجبات الجاهزة والحلويات يزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق، وقد يؤدي إلى تدهور القدرات المعرفية على المدى الطويل.

هناك علاقة محتملة بين الأطعمة فائقة المعالجة وتدهور صحة الأمعاء، مما يؤثر بدوره على “محور الأمعاء – الدماغ”. كما أن التركيب الغذائي لهذه الأطعمة قد يغير استجابة الدماغ للمكافآت، مما يؤدي إلى عادات غذائية غير صحية.

الخطوات التالية

توصي الأبحاث الحالية بتقليل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة قدر الإمكان والتركيز على الأطعمة الكاملة وغير المصنعة. بالإضافة إلى ذلك، يدعو الخبراء الحكومات إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتنظيم هذه الأطعمة، بما في ذلك وضع ملصقات تحذيرية وفرض ضرائب على المنتجات غير الصحية. من المتوقع أن تصدر “ذا لانسيت” توصيات سياسية مفصلة في الأشهر القليلة القادمة، والتي قد تؤثر على السياسات الغذائية في جميع أنحاء العالم. ستكون المراقبة المستمرة للأبحاث الجديدة ضرورية لفهم كامل للتأثيرات الصحية طويلة المدى لهذه الأطعمة.

شاركها.