تشهد سوق المكملات الغذائية نمواً ملحوظاً في المنطقة العربية والعالم، حيث بات المستهلكون يلجأون إليها بشكل متزايد بهدف تحسين الصحة العامة أو تعويض النقص في بعض العناصر الغذائية. ومع ذلك، يرافق هذا الازدهار قلق متزايد بشأن سلامة هذه المنتجات والإفراط في استخدامها، خاصةً مع غياب الرقابة الكافية في بعض الأحيان. تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 100 ألف منتج مختلف، مما يزيد من صعوبة تقييم فعاليتها ومخاطرها المحتملة.
هذا التوسع الكبير في توافر المكملات الغذائية يثير تساؤلات حول مدى وعي المستهلكين بالمخاطر المرتبطة بالإفراط في تناولها. يحذر خبراء الصحة من أن الاعتقاد بأن هذه المنتجات آمنة تماماً هو اعتقاد خاطئ، وقد يؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة، تتطلب وعياً أكبر وتثقيفاً حول الاستخدام السليم.
المكملات الغذائية: بين الفائدة والمخاطر
يؤكد الأطباء والمتخصصون في التغذية أن الحصول على العناصر الغذائية من مصادرها الطبيعية، أي من خلال نظام غذائي متوازن، هو الأمثل للصحة. ومع ذلك، يعترفون بوجود ظروف قد تستدعي تناول المكملات الغذائية، مثل وجود نقص حاد في بعض العناصر أو صعوبة امتصاصها من الطعام بسبب مشاكل صحية معينة. وفقًا للدكتور بيتر كوهين، اختصاصي الطب الباطني في جامعة هارفارد، فإن الجرعات الزائدة من العناصر الغذائية يمكن أن تسبب آثارًا جانبية غير مرغوب فيها.
من المهم الإشارة إلى أن العديد من المكملات الغذائية لا تخضع لنفس الرقابة الصارمة التي تخضع لها الأدوية، مما يعني أن جودتها وتركيباتها قد تختلف بشكل كبير بين المنتجات المختلفة. لذلك، يوصي الخبراء باختيار المكملات الغذائية بعناية، والتأكد من أنها تخضع لمعايير الجودة والسلامة، وأنها مصممة من قبل شركات موثوقة.
تأثيرات الجرعات الزائدة من الفيتامينات والمعادن الشائعة
الفيتامينات المتعددة (Multivitamins) هي من بين أكثر المكملات الغذائية شيوعًا، وغالبًا ما تحتوي على مجموعة واسعة من الفيتامينات والمعادن. ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن بعض هذه المكملات قد تحتوي على جرعات تفوق الحد الموصى به، مما يزيد من خطر الإفراط في تناول بعض العناصر الغذائية. توضح الدكتورة دينيس ميلستين، مديرة الطب التكاملي في “مايو كلينيك أريزونا”، أن تقييم كل مكون على حدة أمر ضروري بسبب تعقيد تركيب هذه المكملات.
يشكل فيتامين “د” مثالاً واضحاً على ذلك، حيث أن الجرعات الزائدة منه قد تؤدي إلى تسمم، مصحوبًا بأعراض مثل الغثيان والقيء وكثرة التبول. في الحالات الشديدة، قد يؤدي الإفراط في تناول فيتامين “د” إلى الفشل الكلوي واضطرابات في ضربات القلب. توصي المعاهد الوطنية للصحة بجرعة يومية تتراوح بين 15 و 100 ميكروغرام للبالغين، مع التأكيد على أن المستويات المرتفعة ترجع عادة إلى تناول كميات كبيرة من المكملات.
أما بالنسبة للأحماض الدهنية “أوميغا-3″، والتي توجد في الأسماك الدهنية وبذور الشيا، فإن الجرعات العالية قد تزيد من خطر النزيف والسكتة الدماغية. تنصح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بعدم تجاوز 5 غرامات يوميًا من هذه الأحماض الدهنية من خلال المكملات الغذائية. بالإضافة إلى ذلك، يجب الانتباه إلى جودة منتجات “أوميغا-3″، حيث أن المنتجات منخفضة الجودة قد تسبب آثارًا جانبية مثل حرقة المعدة والغثيان.
الكالسيوم مكمل شائع آخر، لكن الإفراط في تناوله قد يؤدي إلى تكوّن حصى في الكلى. تشير بعض الأبحاث إلى أن مكملات الكالسيوم قد تزيد أيضًا من خطر الإصابة بأمراض القلب، على الرغم من الحاجة إلى المزيد من الدراسات لتأكيد هذه العلاقة. يجب على البالغين استهلاك 1000 إلى 1200 ملغ من الكالسيوم يوميًا، مع تقسيم الجرعة إلى دفعات أصغر.
فيتامين “سي”، ذو الشعبية الواسعة لتعزيز المناعة، يمكن أن يسبب مشاكل في الجهاز الهضمي عند تناوله بكميات كبيرة. على الرغم من أن الزيادة في فيتامين “سي” تخرج من الجسم عن طريق البول، إلا أن الإفراط المزمن قد يؤدي إلى الإسهال وتكوّن حصوات الكلى. ينصح بتناول 500 إلى 1000 ملغ يوميًا.
مكملات أخرى وتحذيرات
البروبيوتيك، التي تهدف إلى تحسين صحة الأمعاء، لا تحتاج إلى وصفة طبية، ولكن من الضروري استشارة أخصائي تغذية قبل استخدامها لتحديد السلالة والجرعة المناسبتين. الكرياتين قد يسبب الانتفاخ واضطرابات الجهاز الهضمي، ويوصى بتناول 4-5 غرامات يوميًا. أما ببتيدات الكولاجين، فمن الضروري البحث أكثر حول فوائدها وعدم استخدامها كبديل للبروتين الكامل.
بشكل عام، ينبغي على المستهلكين توخي الحذر والاعتدال عند استخدام المكملات الغذائية. من الضروري استشارة الطبيب أو أخصائي التغذية قبل البدء في تناول أي مكمل، خاصةً إذا كنت تعاني من أي مشاكل صحية أو تتناول أدوية أخرى. تُعد الرقابة المستمرة على سوق المكملات الغذائية وتعزيز التوعية الصحية من الأمور الحاسمة لضمان سلامة المستهلكين.
من المتوقع أن تقوم الجهات الصحية المعنية بمراجعة اللوائح الخاصة بالمكملات الغذائية في الأشهر القادمة لضمان جودتها وسلامتها. كما يتزايد الطلب على إجراء المزيد من البحوث حول تأثيرات هذه المنتجات على الصحة. يبقى على المستهلكين ضرورة توخي الحذر والتحقق من مصادر المعلومات قبل اتخاذ أي قرار بشأن استخدام المكملات الغذائية.
