أعلنت دراسات حديثة عن نتائج واعدة لاستخدام قطرات العين التي تحتوي على مادة “التريهالوز” (Trehalose) في استعادة البصر لدى مرضى انخفاض ضغط العين. هذه القطرات، وهي “جل” رخيص الثمن وشائع الاستخدام في مجالات أخرى، أظهرت قدرة على تحسين وظيفة الخلايا العصبية في شبكية العين، مما قد يمثل تطوراً كبيراً في علاج هذا المرض الذي يصيب الملايين حول العالم. وقد بدأت التجارب السريرية في عدة دول، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، في وقت سابق من هذا العام.
تستهدف هذه العلاجات الجديدة بشكل أساسي مرضى الجلوكوما (المياه الزرقاء) الذين يعانون من تلف في العصب البصري نتيجة لارتفاع ضغط العين، بالإضافة إلى حالات أخرى تؤدي إلى فقدان البصر بسبب ضعف تدفق الدم إلى شبكية العين. النتائج الأولية، التي نشرت في مجلات علمية مرموقة، تشير إلى أن “جل التريهالوز” يمكن أن يعزز قدرة الخلايا العصبية على تحمل الإجهاد ويحميها من المزيد من الضرر.
جل التريهالوز: آلية العمل والنتائج الأولية
التريهالوز هو سكر طبيعي موجود في العديد من النباتات والحيوانات، ويشتهر بقدرته على حماية البروتينات والأغشية الخلوية من التلف الناتج عن الجفاف والحرارة. في سياق علاج انخفاض ضغط العين، يعمل “جل التريهالوز” على استعادة التوازن الأيضي للخلايا العصبية في شبكية العين، مما يعزز قدرتها على إنتاج الطاقة والحفاظ على وظائفها الحيوية.
كيف يعمل التريهالوز على مستوى الخلايا؟
وفقًا للباحثين، يعزز التريهالوز إنتاج بروتين يسمى “بروتين الصدمة الحرارية 70” (HSP70)، والذي يلعب دورًا حاسمًا في حماية الخلايا من الإجهاد. كما أنه يساعد على تحسين تدفق الدم إلى شبكية العين، مما يضمن وصول الأكسجين والمواد المغذية الضرورية للخلايا العصبية. هذه الآليات مجتمعة تساهم في استعادة وظيفة الخلايا المتضررة وتقليل خطر فقدان البصر.
أظهرت التجارب السريرية التي أجريت على مجموعة من المرضى المصابين بالجلوكوما تحسنًا ملحوظًا في حدة البصر لدى العديد منهم بعد استخدام قطرات التريهالوز. وقد لوحظ أيضًا انخفاض في تلف العصب البصري، وهو مؤشر رئيسي على تقدم المرض. ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن هذه النتائج لا تزال أولية وتتطلب المزيد من الدراسات لتأكيد فعاليتها على المدى الطويل.
تحديات واعتبارات في تطبيق العلاج الجديد
على الرغم من النتائج الواعدة، هناك عدة تحديات واعتبارات يجب أخذها في الاعتبار قبل اعتماد “جل التريهالوز” كعلاج قياسي لانخفاض ضغط العين. أحد هذه التحديات هو تحديد الجرعة المثالية والمدة الزمنية للعلاج لتحقيق أفضل النتائج مع تقليل الآثار الجانبية المحتملة.
الآثار الجانبية المحتملة
حتى الآن، يعتبر التريهالوز آمنًا بشكل عام، مع آثار جانبية قليلة ومؤقتة مثل تهيج العين الخفيف. ومع ذلك، لا يزال من الضروري إجراء دراسات شاملة لتقييم أي آثار جانبية طويلة الأجل محتملة، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من حالات طبية أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، يجب التأكد من أن “جل التريهالوز” متوافق مع الأدوية الأخرى التي قد يتناولها المرضى. كما أن تكلفة الإنتاج والتوزيع قد تكون عاملاً مهمًا في تحديد مدى إتاحة هذا العلاج للمرضى في جميع أنحاء العالم. تعتبر تكلفة العلاج بالتريهالوز منخفضة مقارنةً ببعض العلاجات الأخرى المتاحة لأمراض العيون، مما يجعله خيارًا جذابًا.
في المملكة العربية السعودية، أبدت وزارة الصحة اهتمامًا كبيرًا بهذه التطورات، وأعلنت عن دعمها للمزيد من الأبحاث والدراسات حول استخدام التريهالوز في علاج أمراض العيون. كما تعمل الوزارة على تقييم إمكانية إدراج هذا العلاج في قائمة الأدوية المعتمدة في البلاد.
تعتبر صحة العين من الأولويات الرئيسية للوزارة، وقد تم تخصيص ميزانية كبيرة لتطوير الخدمات الصحية المتعلقة بالعيون، بما في ذلك توفير أحدث العلاجات والأجهزة الطبية.
في المقابل، يرى بعض الخبراء أن النتائج الحالية لا تزال غير كافية لإعلان عن “جل التريهالوز” كعلاج شافٍ لانخفاض ضغط العين. ويشيرون إلى أن هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات التي تشمل أعدادًا أكبر من المرضى وتستمر لفترة أطول لتقييم فعالية العلاج بشكل قاطع.
ومع ذلك، فإن الإمكانات الواعدة للتريهالوز تثير الأمل في تطوير علاجات جديدة ومبتكرة لأمراض العيون التي تصيب الملايين من الناس حول العالم.
من المتوقع أن يتم نشر نتائج المرحلة الثالثة من التجارب السريرية في الربع الأول من العام المقبل. وستحدد هذه النتائج ما إذا كان “جل التريهالوز” سيحصل على موافقة الجهات التنظيمية لاستخدامه كعلاج معتمد لانخفاض ضغط العين. يجب مراقبة التقدم المحرز في هذه الدراسات، بالإضافة إلى أي تطورات تنظيمية أو صناعية، لتقييم مستقبل هذا العلاج الواعد.
