في اكتشاف طبي حديث، أظهر باحثون في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة دورًا حاسمًا لجزيء حمض نووي ريبوزي صغير، وغير مشفر سابقًا، في تنظيم مستويات الكوليسترول في الجسم. تشير الدراسة إلى أن هذا الجزيء، المعروف باسم tsRNA-Glu-CTC، يمكن أن يكون هدفًا علاجيًا جديدًا للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية وعلاجها.
نُشرت نتائج هذا البحث المهم في دورية Nature Communications في 15 ديسمبر 2025، ولقد سلطت الضوء على آلية جديدة تمامًا تتحكم في إنتاج الكوليسترول، خاصةً في الكبد. هذا الاكتشاف قد يفتح آفاقًا واسعة لتطوير تدخلات دوائية أكثر فعالية وأقل آثارًا جانبية من العلاجات التقليدية.
جزيء الحمض النووي الريبي الخفي وتأثيره على الكوليسترول
يختلف الحمض النووي الريبي الخفي (tsRNA-Glu-CTC) عن الجينات التقليدية التي تصنع البروتينات. إنه جزيء غير مشفر، أي أنه لا يحمل تعليمات لإنتاج بروتين، بل يعمل كمنظم دقيق للعمليات الخلوية. هذا النوع من الجزيئات، المشتق من الحمض النووي الريبي الناقل (tRNA)، كان يعتبر في السابق مجرد نتاج ثانوي للعمليات الخلوية الأساسية.
كيف تم اكتشاف هذا الدور التنظيمي؟
استخدم فريق البحث تقنية متطورة تسمى PANDORA-seq، وهي مصممة خصيصًا لرصد الجزيئات الصغيرة من الحمض النووي الريبي والتي يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية. أظهرت التحليلات أن هذا الجزيء يمثل أكثر من 65% من جزيئات الحمض النووي الريبي الصغيرة المشتقة من tRNA في الكبد، وتتغير مستوياته بشكل مباشر مع مستويات الكوليسترول في الجسم.
ويرى الباحثون أن هذا الجزيء كان “مختفيًا” بسبب صغر حجمه وتعديلاته الكيميائية التي جعلت رصده صعبًا. ولكن بمجرد تحديد موقعه ودوره، اتضح مدى تأثيره على تنظيم إنتاج الكوليسترول.
تُظهر الدراسة أن الحمض النووي الريبي الخفي يؤثر بشكل مباشر على بروتين SREBP2، الذي يعتبر “المنظم الرئيسي” للجينات المسؤولة عن تصنيع الكوليسترول. عندما ترتفع مستويات هذا الجزيء، يزداد نشاط بروتين SREBP2، مما يؤدي إلى زيادة إنتاج الكوليسترول.
في تجارب أجريت على الفئران، ارتبط ارتفاع مستويات الحمض النووي الريبي الخفي بزيادة الكوليسترول في الدم وتسارع تراكم الدهون داخل الشرايين، وهي عملية تؤدي إلى تصلب الشرايين.
أهمية الاكتشاف وتأثيره المحتمل على صحة القلب
تظل أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الرئيسي للوفاة على مستوى العالم. وتشير التقديرات إلى أن نصف البالغين بين 45 و 84 عامًا في الولايات المتحدة يعانون من تصلب الشرايين دون علم، نظرًا لتطور المرض غالبًا بصمت.
تعمل الأدوية الحالية مثل الستاتينات على خفض الكوليسترول، ولكنها تستهدف مراحل متأخرة من مسار إنتاجه. يستهدف هذا الاكتشاف الجديد خطوة مبكرة جدًا في هذا المسار، مما يجعله نهجًا علاجيًا واعدًا.
أظهرت التجارب على الفئران أن خفض مستويات الحمض النووي الريبي الخفي باستخدام جزيئات RNA صغيرة، أدى إلى انخفاض في مستويات الكوليسترول وتحسن ملحوظ في حالة تصلب الشرايين. يوفر هذا النهج إمكانية التحكم في الكوليسترول بطريقة أكثر دقة وربما مع آثار جانبية أقل من العلاجات التقليدية.
تشير نتائج تحليل عينات الدم البشرية إلى أن الأفراد الذين لديهم مستويات مرتفعة من هذا الجزيء يميلون إلى امتلاك مستويات أعلى من الكوليسترول. وهذا يدعم فرضية أن الآلية التي تم اكتشافها في الفئران تعمل أيضًا في البشر.
بالإضافة إلى تأثيره على الكوليسترول، تشير الأبحاث إلى وجود صلة محتملة بين هذا الجزيء وأمراض أخرى، مثل السكري والخرف، مما يعزز أهمية فهم دوره التنظيمي في الجسم.
نظرة مستقبلية
يمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية لأمراض القلب والأوعية الدموية، وربما لأمراض أخرى مزمنة. تخطط فرق البحث لإجراء المزيد من الدراسات لتحديد الآليات الدقيقة التي يتحكم بها هذا الجزيء في إنتاج الكوليسترول، واستكشاف إمكانية تطوير أدوية تستهدف هذا الجزيء بشكل مباشر.
من المتوقع أن تبدأ التجارب السريرية لتقييم سلامة وفعالية هذه العلاجات الجديدة في غضون السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة. ومع ذلك، تبقى هناك العديد من التحديات، بما في ذلك ضمان وصول الدواء إلى الكبد بفعالية وتقليل أي آثار جانبية محتملة. سيكون من المهم مراقبة التقدم المحرز في هذا المجال وتحديد ما إذا كان هذا النهج العلاجي الجديد سيثبت قيمته في تحسين صحة القلب والسماح بتحكم أفضل في مستويات الكوليسترول.
