بعد عقود من البحث، شهد مجال علاج العقم تطوراً لافتاً مع اكتشاف جديد قد يغير فهمنا لـالعقم مجهول السبب لدى النساء. نشرت دراسة حديثة في المجلة الدولية لأمراض النساء والتوليد في ديسمبر 2025، كشفت عن دور محتمل للعوامل التشريحية الوظيفية في حالات العقم التي لم يجد الطب لها تفسيراً واضحاً حتى الآن. وقد أثارت هذه النتائج اهتماماً واسعاً في الأوساط الطبية، وأعادت التركيز على أهمية الفحص الدقيق للعلاقة بين الأعضاء التناسلية الداخلية.
شارك في هذه الدراسة التي شملت 372 امرأة من 23 دولة، فريق بحثي دولي بقيادة البروفسور موسى الكردي، الطبيب والباحث البريطاني من أصل سوري، وأستاذ أمراض النساء والعقم. يهدف هذا الاكتشاف إلى تقديم حلول جديدة للسيدات اللاتي يعانين من صعوبات في الحمل دون سبب طبي واضح، مما يزيد من فرص الإنجاب.
العقم مجهول السبب: نظرة جديدة على التشريح الوظيفي
لطالما شكل العقم مجهول السبب تحدياً كبيراً للأطباء والمرضى على حد سواء. ويُعرّف هذا النوع من العقم بأنه عدم القدرة على الحمل بعد سنة من المحاولة، في غياب أي تشوهات واضحة في الجهاز التناسلي للرجل أو المرأة، أو مشاكل هرمونية، أو أسباب أخرى معروفة. تشير الإحصائيات إلى أن ما بين 15% إلى 20% من حالات العقم تندرج تحت هذه الفئة.
من الملاحظة السريرية إلى الاكتشاف العلمي
أوضح البروفسور موسى الكردي في مقابلة حصرية أن الفكرة الرئيسية لهذه الدراسة لم تنشأ في المختبر، بل من خلال الملاحظات السريرية المتراكمة خلال عمله في مراكز طبية مختلفة في الشرق الأوسط وأوروبا. فقد لاحظ أن العديد من الحالات المصنفة على أنها عقم مجهول السبب، كانت تتميز بسلامة الأعضاء التناسلية من الناحية الشكلية، ولكنها تعاني من خلل في التوضع أو العلاقة المكانية بينها.
وأضاف الكردي: “في بريطانيا، تعلمنا دائماً أهمية البدء بالحلول البسيطة قبل اللجوء إلى التقنيات المعقدة. تساءلنا لماذا لا يحدث الحمل على الرغم من أن جميع الفحوصات تبدو طبيعية؟”. قاده هذا السؤال إلى إعادة النظر في المفاهيم الطبية السائدة، والتركيز على العامل التشريحي الوظيفي الذي غالباً ما يتم تجاهله.
وتقنية العلاج الحديثة تركز بشكل كبير على التحاليل والهرمونات، لكن الدراسة الجديدة تسلط الضوء على أهمية الجانب التشريحي وتقييم موضعية الأعضاء الداخلية.
جوهر التقنية الجديدة ونتائجها المُدهشة
تعتمد التقنية الجديدة على تصحيح التموضع التشريحي للرحم والمبيضين وقناتي فالوب. يهدف هذا الإجراء إلى إعادة الرحم إلى وضعه الأمامي الطبيعي، وخفض المبيضين والأنابيب لتقريبها من قاع الحوض، مما يسهل التقاط البويضة بعد الإباضة. وتستند هذه الطريقة إلى مبادئ تشريحية كلاسيكية، ولكنها طبقت سريرياً بشكل منهجي ومتواصل على مدى سنوات.
أظهرت نتائج الدراسة نسب نجاح ملحوظة، حيث بلغت 87% لدى السيدات السليمات، و 56% لدى اللاتي يعانين من ألياف رحمية أو بطانة رحم مهاجرة أو التصاقات حوضية. وتعتبر هذه النسب أعلى بكثير من تلك التي يتم تحقيقها من خلال محاولات الإخصاب المساعد المتكررة، خاصة لدى النساء فوق سن الأربعين.
دور الإخصاب المساعد في المستقبل
يؤكد البروفسور الكردي أن هذه التقنية لا تلغي أهمية الإخصاب المساعد، بل تعيد النظر في ترتيب الأولويات العلاجية. فبدلاً من اللجوء مباشرة إلى التقنيات المعقدة، يجب إعطاء الجسم فرصة لتحقيق الحمل بشكل طبيعي أولاً. وقد تساهم هذه التقنية في تحسين نتائج الإخصاب المساعد في الحالات التي لا تستجيب للعلاج التقليدي.
فريق بحثي دولي والخطوات التالية
شارك في تطوير هذه التقنية فريق علمي متعدد التخصصات والخلفيات، يضم الدكتور أشرف زرقان والبروفسور أحمد خطاب، بالإضافة إلى البروفسور موسى الكردي. هذا التعاون الدولي عزز من مصداقية الدراسة، وساهم في نشرها في مجلة علمية مرموقة مثل المجلة الدولية لأمراض النساء والتوليد.
الخطوة التالية تتضمن إجراء المزيد من الدراسات لتأكيد فعالية هذه التقنية على نطاق أوسع، وتحديد المؤشرات الدقيقة التي تسمح بتحديد السيدات اللاتي قد يستفدن منها. من المتوقع أن يتم تقديم توصيات بشأن دمج هذه التقنية في الإرشادات السريرية لعلاج العقم خلال العام المقبل، مع مراعاة الحاجة إلى تدريب الأطباء على إجرائها بشكل صحيح.
يُعد هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو فهم أعمق لأسباب العقم، وتقديم حلول أكثر فعالية للسيدات اللاتي يعانين من هذه المشكلة. وينبغي متابعة الأبحاث والدراسات ذات الصلة لتقييم الأثر الحقيقي لهذه التقنية على المدى الطويل.
