أظهرت أحدث الأبحاث في مجال التوحُّد أنَّه اضطراب عصبي تطوري معقد له جذور جينية قوية، ونفت بشكل قاطع أي علاقة سببية بينه وبين التطعيمات. هذه النتائج، التي توصل إليها باحثون من عدة مؤسسات دولية، تم نشرها في مجلة “Nature Neuroscience” هذا الأسبوع. وتأتي هذه الاكتشافات لتضع حدًا لنظريات قديمة ومضللة انتشرت على نطاق واسع في السنوات الأخيرة، مما أثار قلقًا واسعًا بين الآباء والأمهات.

الأبحاث الجديدة، التي أجريت في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا، حللت البيانات الجينية لأكثر من 2000 عائلة لديها أطفال مصابون بالتوحد، بالإضافة إلى مجموعة تحكم من العائلات التي ليس لديها أفراد مصابون. وقد كشفت الدراسة عن وجود عدد كبير من الاختلافات الجينية المشتركة بين الأطفال المصابين بالتوحد، مما يشير إلى أنَّ العوامل الوراثية تلعب دورًا حاسمًا في تطور هذا الاضطراب. تُعد هذه النتائج بمثابة تطور هام في فهمنا للتوحد.

الجذور الجينية للتوحد: ما الذي كشفته الأبحاث؟

ركزت الأبحاث على تحديد الجينات التي تزيد من خطر الإصابة بالتوحد، وليس الجينات التي تسبب الاضطراب بشكل مباشر. وفقًا للباحثين، فإنَّ التوحد ليس ناتجًا عن جين واحد، بل عن مجموعة معقدة من الجينات التي تتفاعل مع بعضها البعض ومع العوامل البيئية. هذا التفاعل المعقد يجعل من الصعب تحديد سبب واحد محدد للتوحد.

الاكتشافات الرئيسية في الجينات

أظهرت الدراسة وجود ارتباطات قوية بين التوحد وعدد من الجينات المشاركة في نمو الدماغ وتطوره، وخاصة تلك المتعلقة بتكوين المشابك العصبية – وهي نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية. بالإضافة إلى ذلك، تم تحديد جينات أخرى تلعب دورًا في تنظيم الاستجابة المناعية في الدماغ. هذه الاكتشافات تشير إلى أنَّ التوحد قد يكون مرتبطًا بمشاكل في التواصل بين الخلايا العصبية وفي تنظيم الاستجابة المناعية في الدماغ.

في المقابل، لم تجد الأبحاث أي دليل يدعم العلاقة بين التطعيمات والتوحد. وقد أكد الباحثون أنَّ الدراسات السابقة التي أشارت إلى وجود علاقة بين التطعيمات والتوحد كانت معيبة من الناحية المنهجية أو اعتمدت على بيانات غير دقيقة. وقد تم فضح هذه الادعاءات من قبل العديد من المنظمات الصحية والطبية الموثوقة في جميع أنحاء العالم.

تأتي هذه النتائج في وقت يشهد فيه العالم تزايدًا في عدد الأطفال الذين يتم تشخيصهم بالتوحد. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإنَّ ما يقدر بنحو 1 من كل 160 طفلاً في جميع أنحاء العالم مصاب بالتوحد. هذا الارتفاع في معدلات التشخيص قد يكون ناتجًا عن زيادة الوعي بالتوحد وتحسين طرق التشخيص، بالإضافة إلى العوامل الوراثية والبيئية.

التوحُّد هو اضطراب يؤثر على كيفية تفاعل الشخص مع الآخرين والتواصل معهم، بالإضافة إلى سلوكه واهتماماته. تتراوح أعراض التوحد من خفيفة إلى شديدة، ويمكن أن تختلف من شخص لآخر. لا يوجد علاج شاف للتوحد، ولكن هناك العديد من التدخلات العلاجية التي يمكن أن تساعد الأشخاص المصابين بالتوحد على تحسين مهاراتهم وقدراتهم.

وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية أكدت على أهمية الاعتماد على المعلومات الطبية الموثوقة وتجاهل الشائعات والمعلومات المضللة المتعلقة بالتوحد والتطعيمات. وقالت الوزارة في بيان لها إنَّ التطعيمات آمنة وفعالة، وأنَّها تلعب دورًا حاسمًا في حماية الأطفال من الأمراض المعدية الخطيرة. كما دعت الوزارة الآباء والأمهات إلى استشارة الأطباء المتخصصين للحصول على معلومات دقيقة حول التوحد والتطعيمات.

بالإضافة إلى الأبحاث الجينية، هناك أبحاث أخرى جارية لاستكشاف العوامل البيئية التي قد تساهم في تطور التوحد. تشمل هذه العوامل التعرض للمواد الكيميائية السامة أثناء الحمل، والتعرض للعدوى، ونقص التغذية. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير لنتعلمه حول هذه العوامل وكيفية تأثيرها على تطور التوحد. التوحُّد يمثل تحديًا معقدًا يتطلب جهودًا بحثية متواصلة.

في السنوات الأخيرة، كان هناك اهتمام متزايد بفهم التنوع العصبي، وهو مفهوم يشير إلى أنَّ الاختلافات في الدماغ ووظائفه هي اختلافات طبيعية وليست عيوبًا. يعتبر التوحد جزءًا من هذا التنوع العصبي، ويؤكد المدافعون عن التنوع العصبي على أهمية قبول واحترام الأشخاص المصابين بالتوحد، وتوفير الدعم الذي يحتاجونه لتحقيق إمكاناتهم الكاملة. التوحُّد ليس مرضًا يجب علاجه، بل هو طريقة مختلفة للتفكير والشعور والتفاعل مع العالم.

التوحُّد، بالإضافة إلى ذلك، يتطلب فهمًا شاملاً للاحتياجات الفردية لكل شخص مصاب. لا توجد حلول واحدة تناسب الجميع، والتدخلات العلاجية يجب أن تكون مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات كل فرد. التوحُّد يتطلب أيضًا تعاونًا وثيقًا بين الأطباء والمعلمين والأخصائيين الاجتماعيين والأهل.

من المتوقع أن تستمر الأبحاث في مجال التوحد في السنوات القادمة، مع التركيز على تحديد الجينات والعوامل البيئية التي تساهم في تطور الاضطراب، وتطوير تدخلات علاجية جديدة وأكثر فعالية. كما من المتوقع أن يتم تطوير أدوات تشخيصية جديدة وأكثر دقة، مما سيساعد على تشخيص التوحد في وقت مبكر وتوفير الدعم اللازم للأطفال المصابين. من المقرر أن تنشر منظمة الصحة العالمية تقريرًا شاملاً حول التوحد في الربع الأول من العام المقبل، والذي من المتوقع أن يقدم توصيات جديدة حول كيفية الوقاية من التوحد وعلاجه.

شاركها.