طوّر علماء في جامعة هارفورد بالولايات المتحدة أداة جديدة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بسجل زمني لنشاطها الجيني، وهو ما يُعرف بـ ذاكرة الخلية. هذا الاكتشاف المذهل قد يغير فهمنا لكيفية تطور مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيفية عمل الخلايا الجذعية، وتأثير الأحداث المبكرة على سلوك الخلية. تعتمد التقنية على هياكل خلوية تُسمى “الفولتات” والتي تعمل كـ “خزائن زمن” لتخزين المعلومات الجينية.
كيف تعمل ذاكرة الخلية؟
لطالما كان فهم كيفية “تذكر” الخلايا لتجاربها السابقة تحديًا كبيرًا للعلماء. تتواصل الجينات داخل الخلية من خلال إنتاج جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لتصنيع البروتينات. ولكن هذه الجزيئات قصيرة الأجل، مما يجعل تتبع نشاط الخلية في الماضي أمرًا صعبًا.
اكتشاف دور الفولتات
ركزت الدراسة، التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير 2026، على الفولتات، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بأعداد كبيرة داخل معظم الخلايا البشرية. على الرغم من اكتشافها في الثمانينيات، ظل دورها البيولوجي مجهولاً حتى الآن. اكتشف الباحثون طريقة لإعادة توجيه هذه الهياكل لتصبح بمثابة سجلات جزيئية.
آلية التخزين
قام الفريق بتعديل أحد بروتينات الفولتات ليتمكن من التعرف على جزيئات mRNA والتقاطها أثناء إنتاجها. تُخزن هذه الجزيئات بعد ذلك داخل الفولتات، مما يشكل سجلاً محفوظًا لنشاط الجينات في وقت سابق. يمكن بدء أو إيقاف عملية التسجيل هذه ببساطة عن طريق إضافة أو إزالة دواء معين، مما يوفر تحكمًا دقيقًا في جمع البيانات.
أظهرت التجارب أن الفولتات يمكنها جمع mRNA على مدار 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة أسبوع على الأقل دون التأثير سلبًا على وظيفة الخلية أو سلوكها الطبيعي. وفقًا لفيه تشين، قائد الدراسة من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي في جامعة هارفارد، فإن الخلايا تبدو طبيعية تمامًا، والفولتات “سعيدة” بحمل هذه المعلومات.
تطبيقات واعدة في أبحاث السرطان
تعتبر هذه التقنية ذات أهمية خاصة في أبحاث السرطان، حيث يمكن أن تساعد في فهم كيفية تطور مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج. يركز الباحثون على دراسة الخلايا السرطانية العنيدة (Persister cells)، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج دون أن تحمل طفرات جينية معروفة تسبب هذه المقاومة.
من خلال تحليل mRNA المخزن داخل الفولتات، اكتشف العلماء أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. عندما تم تثبيط بعض هذه الجينات، أصبحت أدوية السرطان أكثر فعالية في قتل الخلايا السرطانية. هذا يشير إلى أن هذه الجينات قد تلعب دورًا حاسمًا في تطوير مقاومة السرطان.
قد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح الباب أمام تطوير استراتيجيات جديدة لمنع ظهور المقاومة من البداية. ذاكرة الخلية قد تكون المفتاح لفهم هذه الظاهرة المعقدة.
استكشاف تطور الخلايا الجذعية
بالإضافة إلى أبحاث السرطان، يستخدم الباحثون أيضًا هذه التقنية لدراسة عملية تحول الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة. هذه العملية، المعروفة باسم التمايز، هي عملية تدريجية يصعب تتبعها باستخدام الطرق التقليدية. توفر “خزائن الزمن” هذه رؤية فريدة لتسلسل الأحداث الجينية التي تحدث أثناء التمايز.
يعتقد راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي في زيورخ، والذي لم يشارك في الدراسة، أن هذه التقنية تقربنا من القدرة على تسجيل نشاط الخلايا البشرية بشكل مستمر على مدار الزمن. ويضيف أن هذه التقنية قد تكون مكملة للأدوات الجينية الحالية.
يشير عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إلى أن تحويل هذه الهياكل الخلوية الغامضة إلى “كبسولات زمنية” يتطلب قدرًا كبيرًا من الإبداع، ويفتح الباب أمام أنواع جديدة تمامًا من التجارب البيولوجية. ذاكرة الخلية تمثل نقلة نوعية في فهمنا للعمليات الخلوية.
الخطوات التالية والآفاق المستقبلية
تتجه الأبحاث الآن نحو استكشاف إمكانية استخدام الفولتات لتخزين أنواع أخرى من الجزيئات، مثل البروتينات، بالإضافة إلى mRNA. من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من الدراسات لتحديد الجينات المحددة التي تلعب دورًا في مقاومة السرطان وتطور الخلايا الجذعية. سيستمر العلماء في تحسين هذه التقنية وتوسيع نطاق تطبيقاتها في مجالات مختلفة من علم الأحياء والطب. من المرجح أن نشهد تطورات كبيرة في هذا المجال خلال السنوات القليلة القادمة، مما قد يؤدي إلى علاجات جديدة وأكثر فعالية للأمراض المختلفة.
