يشهد قطاع التعليم تحولاً متسارعاً مع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يثير تساؤلات حول مستقبل التعلم والتدريس. تتجه العديد من الحكومات حول العالم إلى دمج برامج الدردشة الآلية وغيرها من أدوات الذكاء الاصطناعي في المدارس، بهدف تحسين جودة التعليم وتوفير فرص تعلم مخصصة. ومع ذلك، يحذر خبراء تربويون من أن الاستخدام غير المدروس لهذه التقنيات قد يؤدي إلى إضعاف التعليم وتقليل قدرة الطلاب على التفكير النقلي والإبداعي.

الذكاء الاصطناعي في المدارس: فرص وتحديات

أعلنت شركة مايكروسوفت مؤخراً عن مبادرة لتزويد أكثر من 200 ألف طالب ومعلم في الإمارات العربية المتحدة بأدوات تدريبية متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي. كما اتفقت شركة خدمات مالية في كازاخستان مع شركة “أوبن إيه آي” لتوفير نسخة تعليمية من برنامج “تشات جي بي تي” لـ 165 ألف معلم في البلاد. وفي السلفادور، يتم تطوير نظام تعليمي شامل يعتمد على الذكاء الاصطناعي، بالتعاون بين الحكومة وشركة “إكس إيه آي” التابعة لإيلون ماسك، يستهدف أكثر من مليون طالب.

يرى بعض رواد التكنولوجيا أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون إضافة قيمة للعملية التعليمية، من خلال أتمتة المهام الإدارية، وتخصيص تجربة التعلم لكل طالب، وإعداد الطلاب لسوق عمل يتطلب مهارات في مجال الذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه الأدوات للمعلمين التركيز على الجوانب الأكثر أهمية في التدريس، مثل التفاعل مع الطلاب وتنمية مهاراتهم الشخصية.

مخاوف بشأن التفكير النقدي والنزاهة الأكاديمية

على الرغم من هذه الفوائد المحتملة، تثير هذه التطورات مخاوف لدى منظمات حقوق الطفل والباحثين التربويين. تشير دراسة حديثة أجرتها مايكروسوفت وجامعة كارنيغي ميلون إلى أن استخدام روبوتات الدردشة قد يضعف التفكير النقلي لدى الطلاب، حيث يمكن لهذه الروبوتات أن تقدم معلومات خاطئة أو مضللة تبدو موثوقة. بالإضافة إلى ذلك، يواجه المعلمون تحدياً متزايداً يتمثل في انتشار الغش الطلابي بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي.

تاريخياً، لم تحقق المبادرات التي تهدف إلى إدخال التكنولوجيا في المدارس، مثل برنامج “حاسوب محمول لكل طفل”، النتائج المرجوة في تحسين المهارات المعرفية للطلاب أو رفع مستوياتهم التعليمية، وفقاً لتقييمات أجراها خبراء اقتصاديون وعلماء تربية في بيرو. وهذا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت مجرد إتاحة الوصول إلى التكنولوجيا كافية لتحقيق تحسينات حقيقية في التعليم.

تجارب عالمية ونهج استونيا المبتكر

تتبنى العديد من الدول نهجاً حذراً في دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، مع التركيز على التدريب والتوعية. في تايلاند، أطلقت وزارة التعليم برنامجاً لتوفير دروس مجانية عبر الإنترنت في مهارات الذكاء الاصطناعي لمئات الآلاف من الطلاب والمعلمين. وفي الهند، تعهدت منظمة “أوبن إيه آي” بإتاحة برنامج “تشات جي بي تي” للمعلمين في المدارس الحكومية.

تتميز استونيا بنهجها المبتكر في هذا المجال، من خلال مبادرة وطنية تسمى “قفزة الذكاء الاصطناعي”. تهدف هذه المبادرة إلى تثقيف المعلمين والطلاب حول استخدامات الذكاء الاصطناعي، ومخاطره، وقيوده. وتتعاون استونيا مع شركات التكنولوجيا لتكييف أدوات الذكاء الاصطناعي مع الاحتياجات التعليمية المحلية، مع التركيز على تطوير مهارات التفكير النقلي والتقييم لدى الطلاب. على سبيل المثال، تم تعديل خدمة “تشات جي بي تي” بحيث تجيب على استفسارات الطلاب بأسئلة تحفزهم على التفكير بدلاً من تقديم إجابات مباشرة.

مستقبل الذكاء الاصطناعي في التعليم

تجري حالياً تجارب رائدة في آيسلندا، حيث يقوم مئات المعلمين بتقييم أدوات الذكاء الاصطناعي مثل “جيميناي” و”كلود” في مهام تخطيط الدروس. يهدف هذا المشروع إلى تحديد الاستخدامات المفيدة للذكاء الاصطناعي في التعليم، وتحديد أوجه القصور المحتملة. ويراقب باحثون من جامعة آيسلندا هذه التجارب لتقييم تأثيرها على عملية التدريس والتعلم.

على الرغم من الحماس المتزايد بشأن إمكانات الذكاء الاصطناعي في التعليم، لا يزال هناك نقص في الدراسات الدقيقة التي توجه استخدامه بشكل فعال. من المتوقع أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة المزيد من الأبحاث والتجارب التي تهدف إلى فهم أفضل لتأثير الذكاء الاصطناعي على الطلاب والمعلمين. وستركز هذه الدراسات على تقييم الفوائد والمخاطر المحتملة، وتطوير إرشادات وسياسات لضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة وأخلاقية في قطاع التعليم. من الضروري مراقبة نتائج هذه الدراسات وتعديل الاستراتيجيات التعليمية وفقاً لذلك.

شاركها.