أدلى وليام كاشكاري، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، بتصريحات مهمة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. وأشار إلى أن التقدم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي قد بدأ بالفعل في إبطاء وتيرة التوظيف في بعض القطاعات، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الوظائف. جاءت هذه التصريحات خلال منتدى حول الاقتصاد العالمي في شهر مايو 2024.

تأتي هذه التحذيرات في ظل تقارير متزايدة عن الشركات التي تستثمر بشكل كبير في أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة المهام التي كان يقوم بها الموظفون في السابق. وتزايد الاهتمام بالتحول الرقمي وأتمتة العمليات أثر على العديد من الصناعات، ويثير قلقاً بشأن إمكانية حدوث اضطرابات واسعة النطاق في سوق العمل. هذه التطورات تؤثر على معدلات البطالة والنمو الاقتصادي.

تأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف: نظرة فاحصة

أوضح كاشكاري أن التأثير الأكبر للذكاء الاصطناعي على التوظيف لا يكمن بالضرورة في فقدان الوظائف بشكل مباشر، بل في تباطؤ وتيرة خلق وظائف جديدة. فبدلاً من الاستعانة بموظفين جدد، تقوم الشركات بتطبيق حلول الذكاء الاصطناعي لزيادة الإنتاجية وتقليل التكاليف. هذا التحول يتطلب إعادة تقييم لمستقبل سوق العمل.

القطاعات الأكثر عرضة للتأثر

وفقًا لتحليلات اقتصادية حديثة، تشير البيانات إلى أن بعض القطاعات أكثر عرضة للتأثر بأتمتة الذكاء الاصطناعي من غيرها. من بين هذه القطاعات: خدمة العملاء، وإدخال البيانات، والوظائف الإدارية الروتينية، وبعض مهام التحليل المالي.

تأثير الأتمتة على الأجور

بالإضافة إلى تأثيرها على التوظيف، فإن الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد تؤدي أيضًا إلى ضغوط هبوطية على الأجور. عندما يصبح بإمكان الآلات أداء المهام بشكل أرخص وأكثر كفاءة، قد يكون لدى الشركات حافز لخفض الأجور أو تجميدها. وتشير التقارير إلى أن الوظائف ذات المهارات المتدنية أو تلك التي تتطلب مهام متكررة هي الأكثر عرضة لهذا التأثير.

ومع ذلك، يرى بعض الاقتصاديين أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخلق أيضًا فرص عمل جديدة، خاصة في مجالات مثل تطوير الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وصيانة الأنظمة الآلية. الأمر يتطلب إعادة تأهيل العمال وتزويدهم بالمهارات اللازمة للتكيف مع سوق العمل المتغير. الاستثمار في التعليم والتدريب المهني ضروري لمواجهة هذا التحدي.

يرى خبراء الاقتصاد أن هذه التطورات قد تعيد تشكيل مفهوم العمل نفسه. فقد نشهد تحولًا نحو نماذج عمل أكثر مرونة، مثل العمل عن بعد والعمل الحر، بالإضافة إلى زيادة التركيز على المهارات الإبداعية والاجتماعية التي لا يمكن للآلات تكرارها بسهولة. مفهوم المهارات المطلوبة في سوق العمل يتبدل بسرعة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التوزيع غير المتكافئ لفوائد الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف بشأن زيادة التفاوت في الدخل. قد يستفيد أصحاب المهارات العالية وأصحاب رؤوس الأموال بشكل كبير من هذه التكنولوجيا، في حين أن العمال ذوي المهارات المتدنية قد يتخلفون عن الركب. يجب معالجة هذا التفاوت من خلال سياسات تهدف إلى ضمان وصول الجميع إلى فرص التعليم والتدريب.

في المقابل، هناك جدل حول مدى سرعة وشمولية هذه التغييرات. فبعض المشرعين والناشطين العماليين يحذرون من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى “جرف وظيفي” واسع النطاق، بينما يرى آخرون أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلاً حتى تؤثر التكنولوجيا بشكل كبير على سوق العمل. تعتمد سرعة التغيير على عوامل متعددة، بما في ذلك وتيرة الابتكار التكنولوجي والاستجابة السياسية والاجتماعية.

وتشير تصريحات كاشكاري إلى أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يراقب عن كثب تطورات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها المحتمل على الاقتصاد، بما في ذلك التضخم ومعدلات الفائدة. فإذا أدى تباطؤ التوظيف إلى انخفاض الطلب الكلي، فقد يضطر البنك المركزي إلى اتخاذ تدابير لتحفيز النمو الاقتصادي. وهذا يشمل سياسات نقدية ومالية مختلفة.

التحول الناتج عن الذكاء الاصطناعي ليس مقتصراً على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى الاقتصادات العالمية الأخرى، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتبدأ الحكومات والشركات في المنطقة في استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي، لكنها تواجه أيضًا تحديات تتعلق بالبنية التحتية والمهارات. الاستعداد للتغيير أمر بالغ الأهمية للنجاح في هذه البيئة الجديدة.

وفي سياق متصل، تتزايد الدعوات إلى تطوير آليات جديدة للرعاية الاجتماعية لتعويض العمال الذين فقدوا وظائفهم بسبب الأتمتة. وتشمل هذه الآليات شبكات الأمان الاجتماعي المعززة، وبرامج التدريب المهني، وربما حتى فكرة “الدخل الأساسي الشامل”. مساعدة العمال المتضررين هي أولوية قصوى.

من المنتظر أن يقدم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تقييمًا أكثر تفصيلاً لتأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في تقريره القادم في شهر يونيو 2024. وسيركز هذا التقرير على البيانات المتعلقة بسوق العمل، ومعدلات الإنتاجية، ومؤشرات التضخم. وسيكون هذا التقرير مهمًا للمستثمرين وصناع السياسات على حد سواء. يتوقع أيضًا أن يصدر بنك الاستثمار الأوروبي تقريراً مماثلاً حول تأثير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على اقتصاديات منطقة اليورو في الربع الثالث من عام 2024.

شاركها.