في خطوة استراتيجية كبرى، أعلنت “الشركة السعودية للصناعات الأساسية” (سابك) عن إعادة هيكلة واسعة النطاق لحضورها العالمي، شملت التخارج من أصول بتروكيماوية وهندسية في أوروبا والأمريكتين بقيمة إجمالية تصل إلى 950 مليون دولار. يهدف هذا التحرك إلى تبسيط محفظة الشركة، وتعزيز مرونة رأسمالها، والتركيز على الأسواق ذات النمو المرتفع والهوامش الربحية المستدامة. وتشمل هذه الأسواق بشكل أساسي منطقة شرق آسيا، مع التركيز المتزايد على الصين.

ويأتي هذا الإعلان في إطار برنامج إعادة هيكلة بدأت سابك بتنفيذه في عام 2022، بهدف تحسين أداء الأعمال وتعظيم العائد على الاستثمار. وقد أثر الإعلان على أداء سهم الشركة في البورصة السعودية، حيث شهد انخفاضاً ملحوظاً في التداولات الأخيرة، بسبب تسجيل خسائر غير نقدية مرتبطة بإعادة تقييم الأصول.

إعادة الهيكلة العالمية لـ “سابك”: استراتيجية جديدة في بيئة متغيرة

تعتبر صفقة التخارج خطوة حاسمة في استراتيجية سابك طويلة الأجل، والتي تتوافق مع رؤية المملكة العربية السعودية لتعزيز التنويع الاقتصادي والاستثمار في القطاعات الواعدة. وتشمل الصفقة بيع أعمال البتروكيماويات في أوروبا لشركة “إيكيويتا” بقيمة 500 مليون دولار، وأصول اللدائن الهندسية الحرارية في أوروبا والأمريكتين لشركة “موتارس إس إي وشركاؤها المحدودة” مقابل 450 مليون دولار، مع إمكانية وجود مدفوعات إضافية بناءً على الأداء المستقبلي.

تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه الصناعة البتروكيماوية العالمية تحولات كبيرة، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الطاقة في أوروبا، وتزايد المنافسة من الشركات الآسيوية، وتغير أنماط الطلب. وتسعى سابك من خلال إعادة الهيكلة إلى التكيف مع هذه التحديات، والمحافظة على مكانتها كواحدة من الشركات الرائدة في هذا القطاع.

تأثير التخارج على الأداء المالي لسهم سابك

أظهرت تداولات يوم الخميس ضغوطًا بيعية على سهم “سابك”، حيث انخفض إلى 48.78 ريال، وهو أدنى مستوى له منذ أبريل 2009. ويعزى هذا الانخفاض إلى تسجيل الشركة لخسائر غير نقدية تقدر بنحو 4.88 مليار دولار، نتيجة لإعادة تقييم الأصول المتخارج منها. وستظهر هذه الخسائر في نتائج الربع الرابع من عام 2025.

على الرغم من هذه الخسائر المؤقتة، يرى الخبراء أن هذه الخطوة هي استثمار ضروري لتحسين الأداء المالي للشركة على المدى الطويل. فمن خلال التخلص من الأصول ذات الهوامش الربحية المنخفضة، ستتمكن سابك من توجيه مواردها نحو المشاريع الأكثر ربحية، وتعزيز تدفقاتها النقدية الحرة. تعد هذه الخطوة جزءًا من استراتيجية أكبر للشركة تهدف إلى تحسين كفاءة رأس المال واستخدامه.

أبعاد الصفقة والأسواق المستهدفة

تشمل أعمال البتروكيماويات الأوروبية التي تم بيعها إنتاج وتسويق الإيثيلين والبروبيلين والبولي إيثيلين والبولي بروبيلين ومركبات البوليمرات ذات القيمة المضافة. كما تتضمن إدارة مواقع تصنيع في المملكة المتحدة وهولندا وألمانيا وبلجيكا. أما أعمال اللدائن الهندسية الحرارية، فتنتج موادًا مثل البولي كربونيت والبولي بيوتيلين تيريفثالات وراتنج الأكريلونيتريل بيوتاديين ستايرين والمواد المركبة، ولها مواقع تصنيع في الولايات المتحدة والمكسيك والبرازيل وإسبانيا وهولندا.

وتأتي هذه التخارجات في سياق تركيز سابك المتزايد على الأسواق الآسيوية، وخاصة الصين، التي تعتبر حاليًا أكبر سوق للبتروكيماويات في العالم. وتستثمر سابك بكثافة في هذا السوق، من خلال مشاريع مشتركة واستثمارات مباشرة، بهدف تلبية الطلب المتزايد على المنتجات البتروكيماوية في المنطقة.

توسيع نطاق الاستثمارات في مشاريع ذات قيمة مضافة

صرح المهندس خالد الدباغ، رئيس مجلس إدارة “سابك”، بأن هذه الصفقات تمثل خطوة استراتيجية لتعظيم القيمة للمساهمين من خلال تعزيز توليد السيولة النقدية. وأكد الرئيس التنفيذي للشركة، المهندس عبد الرحمن الفقيه، أن هذه الصفقات هي امتداد لبرنامج تحسين باقة الأعمال الذي أطلق في عام 2022، والذي يهدف إلى إعادة تشكيل محفظة الشركة بفاعلية والتركيز على المجالات ذات المزايا التنافسية الواضحة.

وتعتزم سابك إعادة توجيه السيولة النقدية التي تم تحريرها من خلال هذه الصفقات نحو الاستثمار في مشاريع ذات قيمة مضافة عالية، مثل مجمع “فوجيان” في الصين، الذي من المتوقع أن يبدأ التشغيل التجريبي في النصف الثاني من عام 2026. ويهدف هذا المجمع إلى إنتاج 1.8 مليون طن من الإيثيلين سنويًا، مما سيساهم في تعزيز مكانة سابك في السوق الآسيوي.

من المتوقع أن تستغرق عملية إتمام هذه الصفقات عدة أشهر، وتخضع لاستيفاء الشروط المعتادة والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة. وستواصل سابك العمل عن كثب مع العملاء والموظفين خلال هذه الفترة الانتقالية لضمان استمرار الأعمال بسلاسة. ومن المرتقب أن يشهد النصف الثاني من عام 2026 إتمام هذه الصفقات بشكل كامل، مما سيفتح فصلاً جديداً في مسيرة سابك نحو تحقيق النمو المستدام والريادة العالمية في قطاع البتروكيماويات.

شاركها.