شهدت أسعار الفضة ارتفاعاً قياسياً ملحوظاً، حيث تجاوزت 70 دولاراً للأونصة في تعاملات يوم الثلاثاء. يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بمجموعة من العوامل، تشمل زيادة الطلب الصناعي والاستثماري، وتراجع المخزونات العالمية، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، بالإضافة إلى التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأمريكية. ويعكس هذا الزخم الصعودي القوي في سوق المعادن الثمينة.
وقد سجلت الأسعار الفورية للفضة زيادة بنسبة 1.5% لتصل إلى 70.06 دولار للأونصة، مسجلةً أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 70.18 دولار للأونصة. ويأتي هذا الارتفاع في وقت يشهد فيه سوق المعادن بشكل عام تقلبات كبيرة بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية العالمية.
الطلب المتزايد على الفضة يفوق المعروض
يرى خبراء الاقتصاد أن ارتفاع سعر الفضة يعود بشكل كبير إلى الطلب القوي من قطاع التكنولوجيا، الذي يتجاوز المعروض المتاح حالياً. وقد أدى هذا إلى مضاعفة قيمة الفضة خلال العام الحالي، متفوقةً على أداء المعادن الثمينة الأخرى، بما في ذلك الذهب.
وأشار كوزماس ماريناكيس، من جامعة سنغافورة الإدارية، إلى أن الفضة لم تعد مجرد أداة استثمارية، بل أصبحت مورداً مادياً حيوياً. وأضاف أن الشركات المصنعة تزداد إدراكاً لأهمية الفضة في عملياتها الإنتاجية.
تُستخدم الفضة على نطاق واسع في صناعة السيارات الكهربائية والألواح الشمسية، نظراً لقدرتها العالية على توصيل الكهرباء، وهي أفضل من الذهب والنحاس. ومع تزايد المبيعات العالمية للسيارات الكهربائية، من المتوقع أن يرتفع الطلب على الفضة بشكل أكبر.
ومع ذلك، فإن زيادة المعروض من الفضة ليست بالأمر السهل، حيث أن معظم الإنتاج العالمي يأتي كمنتج ثانوي من مناجم تركز بشكل أساسي على استخراج معادن أخرى مثل الرصاص والنحاس والذهب. هذا النقص في المعروض يساهم في الضغط على الأسعار ويدفعها إلى الارتفاع.
بالإضافة إلى ذلك، فإن المخاوف من فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية على الفضة، كجزء من سياسات التجارة الحالية، قد أدت إلى قيام الشركات بتخزين كميات كبيرة من المعدن، مما أدى إلى تفاقم مشكلة النقص في المعروض في مناطق أخرى من العالم. وتستورد الولايات المتحدة حوالي ثلثي احتياجاتها من الفضة لاستخدامها في التصنيع وصناعة المجوهرات والاستثمار.
وأوضح البروفيسور ماريناكيس أن الشركات المصنعة تتسابق لتأمين إمدادات الفضة لضمان استمرار عملياتها دون انقطاع. هذا التنافس على الإمدادات ساهم بشكل كبير في ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية.
مستقبل أسعار الفضة
يتوقع الخبراء استمرار ارتفاع أسعار الفضة في الأشهر المقبلة، طالما استمر الطلب في تجاوز المعروض. ومع ذلك، فإن التطورات الجيوسياسية والسياسات التجارية الأمريكية قد تلعب دوراً حاسماً في تحديد مسار الأسعار.
هل ستتفوق الفضة على الذهب؟
شهد سعر الفضة الفوري ارتفاعاً بأكثر من 140% منذ بداية العام، متجاوزاً مكاسب الذهب التي تجاوزت 70% في الفترة نفسها. ويعزى هذا الأداء القوي إلى الطلب الاستثماري المتزايد، وإدراج الفضة ضمن قائمة المعادن الحيوية في الولايات المتحدة، والزخم القوي لعمليات الشراء.
وقال بريت إليوت، مدير التسويق في بورصة المعادن الثمينة الأمريكية: “لقد تفوقت الفضة على الذهب بفارق كبير هذا العام”. وأضاف أن ارتفاع الفضة كان أكثر وضوحاً وكبيراً مقارنة بالذهب.
وأشار إليوت إلى أنه لكي يحقق الذهب أداءً مماثلاً، يجب أن يتجاوز 6300 دولار للأونصة، بينما تحتاج الفضة إلى الوصول إلى 86 دولاراً للأونصة. وإذا استمر الذهب في المنافسة مع الفضة تحت هذه الظروف، فقد يحتاج إلى تجاوز 7000 دولار للأونصة.
من جانبه، أعرب جيف كلارك، محلل المعادن الثمينة ومؤسس موقع “ذا غولد أدفايزر”، عن تفاؤله بشأن مستقبل كلا المعدنين. وقال: “استناداً إلى الاتجاهات التاريخية وأبحاثنا، نحن واثقون من أن أسعار الذهب والفضة سترتفع في عام 2026”.
وأضاف كلارك أنه من الصعب تحديد الأسعار بدقة، لكنه يعتقد أن كلا المعدنين يمران حالياً بمرحلة تراكم، وعندما يخرجان من هذه المرحلة، فمن المحتمل أن يصل الذهب إلى 5000 دولار والفضة إلى 75 دولاراً للأونصة. وإذا لم يحدث ذلك في عام 2026، فقد يحدث في عام 2027.
ويرى إليوت أيضاً أن كلا المعدنين قد يواصلان الصعود في العام المقبل. وقال: “يبدو أن احتمال تجاوز الذهب 5000 دولار للأونصة وارد، خاصة بعد أن سجل رقماً قياسياً عند 4400 دولار. أما الفضة، فهي مرشحة لتخطي 60 دولاراً وربما تحدي 70 دولاراً، وهو أمر مبرر بالنظر إلى الظروف الاقتصادية الكلية التي تخلق ندرة وزيادة في الطلب”.
بشكل عام، تشير التوقعات إلى استمرار ارتفاع أسعار الفضة والذهب في المستقبل القريب، مدفوعةً بالعوامل الاقتصادية والسياسية العالمية. ومع ذلك، يجب على المستثمرين مراقبة التطورات في هذه الأسواق بعناية، حيث أن الأسعار قد تشهد تقلبات كبيرة.
