كثيراً ما تصدر الحكومة المصرية بيانات إيجابية حول الأوضاع الاقتصادية، واعدةً بتحسن في مستوى معيشة المواطنين. ومع ذلك، يجد الكثير من المصريين صعوبة متزايدة في مواكبة ارتفاع الأسعار، مما يثير تساؤلات حول مدى انعكاس هذه التحسينات المعلنة على أرض الواقع. تتناول هذه المقالة تقييمًا للوعود الحكومية بـ«تحسن الأوضاع» في ظل التحديات الاقتصادية المستمرة، وتسعى إلى تحديد العوامل التي تؤثر على هذا التحسن، ومستقبله المحتمل.
أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال تهنئة البابا تواضروس الثاني بعيد الميلاد المجيد، على وجود “تحسن ملموس” في أغلب القطاعات، مشيرًا إلى أن الأوضاع الاقتصادية “أفضل بكثير مما كانت عليه في السابق”. وذكر مدبولي أن الحكومة تبذل جهودًا كبيرة لتحقيق إنجازات ومشروعات تنموية وخدمية تساهم في هذا التحسن، لكن هذا التصريح لم يجد صدى واسعاً في الشارع المصري.
التحديات التي تواجه «تحسن الأوضاع» الاقتصادية
على الرغم من الإشارات الحكومية المتكررة إلى إيجابية المؤشرات الاقتصادية، يواجه الاقتصاد المصري تحديات هيكلية عميقة. يقول الخبراء أن حجم الدين العام، الذي تجاوز 160 مليار دولار في يونيو الماضي، يمثل عبئاً ثقيلاً على الموازنة العامة للدولة، حيث تخصص نسبة كبيرة من الإيرادات لسداد الفوائد والأقساط. هذا بالإضافة إلى العجز المزمن في الميزان التجاري وارتفاع فاتورة الاستيراد.
يشير تقرير للهيئة العامة للرقابة على الصادرات إلى أن عجز الميزان التجاري في مصر تجاوز 30 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، على الرغم من انخفاضه بنسبة 12% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتعزى هذه المشكلة إلى الاعتماد الكبير على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلي من الغذاء ومستلزمات الإنتاج والأدوية، مما يتطلب توفير كميات كبيرة من العملة الصعبة.
وشهد الجنيه المصري تحريرًا لسعر صرفه في مارس 2024، مما أدى إلى ارتفاع قيمته أمام الدولار. وقد ساهم هذا الإجراء في القضاء على السوق السوداء واستقرار سوق الصرف، وزيادة تحويلات المصريين العاملين في الخارج التي اقتربت من 34 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025. ولكن، أدى تحرير سعر الصرف أيضاً إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، مما أثر سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين.
تأثير التضخم وارتفاع الأسعار
يعتبر التضخم أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري. فقد أشار رئيس الوزراء إلى ارتفاع معدل الفقر “قليلاً” عن 30%، وهو ما يعكس تدهور الأوضاع المعيشية لشرائح واسعة من المجتمع. ويرجع ذلك جزئياً إلى الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والغاز والمواصلات.
وبلغت نسبة التضخم في نوفمبر الماضي 12.3%، وهو ما يمثل انخفاضاً طفيفاً مقارنة بالشهر السابق (12.5%). ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن هذه النسبة لا تعكس الواقع الحقيقي، وأن الأسعار في الشارع أعلى بكثير مما تعكسه الإحصائيات الرسمية. يقول الخبير الاقتصادي رشاد عبده إن التصريحات الحكومية المتفائلة يجب أن تؤخذ بحذر، وأنها قد تكون مرتبطة بفترة محتملة من التغييرات الحكومية.
عضو لجنة الاقتصاد في مجلس النواب السابق، محمود الصعيدي، يبدي تفاؤلاً بحذر، مشيراً إلى أن حديث الحكومة عن تحسن الأوضاع يستند إلى مؤشرات إيجابية مثل زيادة الموارد الدولارية من مصادر مختلفة، بما في ذلك تحويلات العاملين والسياحة وقناة السويس. وأعلنت هيئة قناة السويس عن ارتفاع إيراداتها إلى 1.97 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2025، مقارنة بـ 1.68 مليار دولار في الفترة نفسها من العام 2024.
مستقبل الأوضاع الاقتصادية
لا يزال مستقبل الأوضاع الاقتصادية في مصر غير واضحًا، ويعتمد على قدرة الحكومة على معالجة التحديات الهيكلية التي تواجهها. يتطلب ذلك تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة تهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين إدارة الدين العام. تحسن الأوضاع يتطلب أيضاً زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي وخفض معدلات الفقر.
تشير التوقعات إلى أن الحكومة ستواصل جهودها لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وقد تشمل هذه الجهود اتخاذ إجراءات إضافية للسيطرة على التضخم، وتعزيز القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل القومي. من المتوقع أن تقوم الحكومة بمراجعة دورية للميزانية العامة للدولة، وتقديم حزم جديدة من الحوافز للشركات والمستثمرين.
في الختام، على الرغم من الوعود الحكومية بالتحسن، لا تزال التحديات الاقتصادية كبيرة. تبقى المراقبة الدقيقة للمؤشرات الاقتصادية الرئيسية، مثل معدل التضخم والدين العام والميزان التجاري، أمرًا ضروريًا لتقييم مدى فعالية السياسات الحكومية في تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة. من المنتظر أن يعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن بيانات جديدة حول معدلات الفقر والبطالة في الأشهر القادمة، مما سيوفر صورة أكثر وضوحًا عن الأوضاع المعيشية للمصريين.
