يُوقّع الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور” التجاري في أمريكا اللاتينية اليوم السبت اتفاقية تجارية حرة تاريخية، بعد حوالي 25 عامًا من المفاوضات المعقدة. تأتي هذه الاتفاقية بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الجانبين وتوسيع نطاق التبادل التجاري. ومن المتوقع أن تحضر رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا حفل التوقيع في أسونسيون، عاصمة باراغواي، مؤكدين أهمية هذه الخطوة في تعزيز التجارة العالمية.

أهمية اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور»

تعتبر هذه الاتفاقية خطوة هامة نحو تنويع العلاقات التجارية للاتحاد الأوروبي، خاصةً في ظل التوترات التجارية المتزايدة مع الولايات المتحدة والصين. يهدف الجانبان إلى إزالة الحواجز التجارية وتقليل الرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من السلع والخدمات، مما سيؤدي إلى زيادة التنافسية وتحفيز النمو الاقتصادي. وتشمل الدول الأعضاء في ميركوسور البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي.

أكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن هذه الصفقة ستعود بفوائد ملموسة على المواطنين والشركات الأوروبية، وتعزز من سيادة التكتل واستقلاليته الاستراتيجية. وأضاف أن الاتفاقية ستساهم في تشكيل الاقتصاد العالمي بما يتماشى مع القيم المشتركة للاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور. وتشير التقديرات إلى أن الاتفاقية ستفيد أكثر من 700 مليون شخص.

التحديات التي واجهت المفاوضات

لم تخلُ المفاوضات من التحديات، حيث واجهت معارضة من بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خاصةً فيما يتعلق بالقطاعات الزراعية. أثار احتمال زيادة واردات اللحوم من أمريكا الجنوبية، بالإضافة إلى السكر والأرز والعسل وفول الصويا، مخاوف لدى المزارعين الأوروبيين بشأن المنافسة. ومع ذلك، تم التوصل إلى حلول وسطية تهدف إلى حماية المصالح الزراعية مع تحقيق التوازن في الفوائد التجارية.

بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك قضايا تتعلق بالمعايير البيئية وحقوق العمال، حيث سعى الاتحاد الأوروبي إلى ضمان التزام دول ميركوسور بهذه المعايير. وقد تم إدراج بنود في الاتفاقية تتعلق بالاستدامة وحماية البيئة، مما يعكس التزام الجانبين بتعزيز التجارة المسؤولة. وتعتبر البرازيل شريكًا رئيسيًا في إتمام هذه الاتفاقية، كما أشارت إليه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

من جانبه، وصف الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا الاتفاقية بأنها “شراكة تعتمد على التعددية”، مؤكدًا أنها ستؤدي إلى زيادة التجارة والاستثمار، وخلق فرص عمل جديدة على جانبي المحيط الأطلسي. وتأتي هذه الاتفاقية في سياق جهود البرازيل لتعزيز علاقاتها التجارية مع الشركاء العالميين وتنويع أسواقها.

الآثار المتوقعة على التجارة والاستثمار

من المتوقع أن تؤدي اتفاقية التجارة الحرة إلى زيادة كبيرة في حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور. ستستفيد الشركات الأوروبية من الوصول إلى أسواق جديدة في أمريكا اللاتينية، بينما ستتمكن الشركات في دول ميركوسور من زيادة صادراتها إلى أوروبا. وتشمل القطاعات التي يُتوقع أن تستفيد بشكل خاص من الاتفاقية صناعة السيارات والآلات والمعدات، بالإضافة إلى قطاع الأغذية والمشروبات.

علاوة على ذلك، من المتوقع أن تجذب الاتفاقية استثمارات جديدة من كلا الجانبين، مما سيساهم في تعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل. ستستفيد البنية التحتية في دول ميركوسور من الاستثمارات الأوروبية، بينما ستتمكن الشركات الأوروبية من الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في أمريكا اللاتينية. وتعتبر الاستثمارات في قطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية من المجالات الواعدة للتعاون.

تُعد هذه الاتفاقية أيضًا بمثابة رسالة قوية ضد الحمائية التجارية، خاصةً في ظل التحديات التي تواجه النظام التجاري العالمي. وتؤكد على أهمية التعاون الدولي والتعددية في تعزيز التجارة العادلة والمستدامة. وتشير التوقعات إلى أن منطقة التجارة الحرة الناتجة عن الاتفاقية ستصبح واحدة من أكبر المناطق التجارية في العالم، بإجمالي ناتج محلي يبلغ حوالي 22 تريليون دولار.

الخطوة التالية تتطلب موافقة البرلمان الأوروبي على الاتفاقية قبل أن تدخل حيز التنفيذ. من المتوقع أن يستغرق هذا الإجراء عدة أشهر، وقد يواجه بعض المعارضة من النواب الذين يمثلون المصالح الزراعية. ومع ذلك، من المرجح أن يتم التصديق على الاتفاقية في نهاية المطاف، مما سيفتح الباب أمام حقبة جديدة من التعاون التجاري بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور. يجب مراقبة التطورات المتعلقة بموافقة البرلمان الأوروبي والتحديات المحتملة التي قد تواجه تنفيذ الاتفاقية.

شاركها.