في خطوة مزدوجة تعكس استراتيجية الصين الاقتصادية، أعلنت بكين عن توسيع خيارات الاستثمار للمستثمرين الأجانب في الأسواق المالية، بالتزامن مع فرض قيود جديدة على استيراد الرقائق المتقدمة، مما يؤكد سعيها لتحقيق التوازن بين الانفتاح والاعتماد على الذات التكنولوجي. تهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز مكانة الصين في الاقتصاد العالمي، خاصة في قطاع التكنولوجيا الحيوية.

الصين توسع الاستثمار الأجنبي وتشدد على صناعة الرقائق

أعلنت هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية عن فتح 14 منتجًا جديدًا من العقود الآجلة والخيارات أمام المستثمرين الدوليين. وتشمل هذه المنتجات عقود النيكل والليثيوم، بالإضافة إلى مشتقات بتروكيماوية وخيارات للطاقة والمعادن الدولية. يأتي هذا التوسع في إطار جهود مستمرة لجعل الأسواق الصينية أكثر جاذبية ورسوخًا في النظام المالي العالمي، بعد خطوات تدريجية لفتح البورصات أمام رؤوس الأموال الأجنبية.

في الوقت ذاته، تطلب السلطات الصينية من شركات التكنولوجيا الكبرى مثل علي بابا وتنسنت تقديم طلبات لشراء شرائح “إنفيديا إتش 200” المتقدمة، ولكن بشرط شراء كميات مماثلة من الرقائق المنتجة محليًا كجزء من الصفقة. وفقًا لمصادر مطلعة، يهدف هذا الإجراء إلى دعم سلاسل القيمة المحلية في قطاع أشباه الموصلات.

القيود الأمريكية وتأثيرها على صناعة الرقائق

تأتي هذه الخطوة في ظل القيود المستمرة التي تفرضها الولايات المتحدة على صادرات الشرائح المتقدمة إلى الصين. تسعى الشركات الصينية جاهدة للحفاظ على قدرتها التنافسية في قطاع الذكاء الاصطناعي المتنامي، مع التركيز على مبدأ “الاعتماد الذاتي التكنولوجي” الذي أصبح أولوية وطنية في بكين. تعتبر الرقائق من نوع “إتش 200” ضرورية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتطبيقات البيانات الضخمة، مما يجعلها ذات أهمية استراتيجية كبيرة.

بالإضافة إلى ذلك، يمثل قطاع أشباه الموصلات تحديًا كبيرًا للصين، حيث تسعى لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية. تعتبر الاستثمارات في البحث والتطوير وزيادة الإنتاج المحلي من الرقائق خطوات حاسمة لتحقيق هذا الهدف.

التوازن بين الانفتاح والسيادة التكنولوجية

تعكس السياسات المزدوجة التي أعلنتها بكين سعيها لتحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الاكتفاء الذاتي التكنولوجي. بينما ترسل الصين إشارات إيجابية للأسواق العالمية من خلال توسيع نطاق الاستثمار الأجنبي، فإنها تظل حذرة بشأن الملفات التكنولوجية الحساسة، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية مع الولايات المتحدة.

يعتبر هذا النهج نموذجًا للدول الأخرى التي تسعى إلى تحقيق السيادة الاقتصادية دون الانغلاق، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والطاقة. قد يشجع هذا التوجه دولًا أخرى على تبني استراتيجيات مماثلة لتعزيز قدراتها التكنولوجية مع الحفاظ على علاقات اقتصادية مفتوحة.

من المتوقع أن يؤدي فتح العقود الآجلة للمواد الاستراتيجية مثل النيكل والليثيوم إلى تعزيز جاذبية الصين كمركز مالي لتسعير وتداول السلع، خاصة تلك المرتبطة بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. كما يُتوقع أن يدفع شرط شراء الرقائق المحلية الشركات الصينية إلى زيادة استثماراتها في الموردين المحليين وتطوير قدراتها التصنيعية في مجال الرقائق.

في المستقبل القريب، من المرجح أن تواصل الصين جهودها لتعزيز صناعة الرقائق المحلية، مع التركيز على الاستثمار في البحث والتطوير وتطوير البنية التحتية. سيكون من المهم مراقبة التطورات في العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، حيث يمكن أن تؤثر هذه العلاقات بشكل كبير على مستقبل صناعة الرقائق العالمية. كما يجب متابعة مدى التزام الشركات الصينية بشروط الشراء الجديدة، وتقييم تأثيرها على سلاسل التوريد العالمية.

شاركها.