بين تقلبات الأسواق العالمية وتحديات السياسات الاقتصادية، يختتم المستثمرون عام 2025 بتقييم أداء غير مسبوق، واصفين إياه بـ”عام الرعب المربح”. شهدت أسواق المال خلال هذا العام صعودًا وهبوطًا حادًا، مدفوعة بالتوترات التجارية، وتوقعات أسعار الفائدة المتغيرة، والمخاوف بشأن استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي. ورغم هذه العوامل المقلقة، تمكن المستثمرون الذين حافظوا على استثماراتهم من تحقيق عوائد مجزية.

أظهر الاقتصاد الأمريكي مرونة ملحوظة، حيث تجاوزت صناديق مؤشر “ستاندرد آند بورز 500″، وهي أساسية في خطط التقاعد، التقلبات وحققت أداءً قويًا بعائد يتجاوز 18% حتى منتصف ديسمبر. ووصل المؤشر إلى مستوى قياسي جديد في 11 ديسمبر، منهيًا عامه الثالث على التوالي بمكاسب كبيرة، مما يؤكد أن فترات عدم اليقين غالبًا ما تخفي فرصًا استثمارية واعدة.

رحلة أسواق المال في عام 2025: مفاجآت وتحديات

كانت الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس دونالد ترمب في أبريل من أبرز الأحداث التي هزت الأسواق المالية. فاقمت هذه الرسوم المخاوف من حدوث ركود وتصاعد التضخم، مما أدى إلى انخفاض مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بنحو 5% في 3 أبريل، وهو أسوأ أداء له منذ بداية جائحة كورونا في عام 2020. وتعمقت الخسائر في اليوم التالي، مع انخفاض المؤشر بنسبة 6% ردًا على الإجراءات الصينية المضادة، مما أثار شبح حرب تجارية شاملة.

لم يقتصر تأثير هذه الرسوم على سوق الأسهم، بل امتد ليشمل قيمة الدولار الأمريكي، وزاد من القلق في سوق سندات الخزانة الأمريكية، التي تعتبر ملاذًا آمنًا تقليديًا. بعد ذلك، قام ترمب بتعليق تطبيق الرسوم مؤقتًا في 9 أبريل استجابةً للتوتر في سوق السندات، مما أدى إلى استعادة الهدوء النسبي في وول ستريت. تبع ذلك سلسلة من الاتفاقيات مع دول مختلفة لتخفيف الرسوم الجمركية المقترحة.

شهدت فترة الصيف انتعاشًا بفضل التفاؤل بشأن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتقارير الإيجابية عن أرباح الشركات. كما ساهمت ثلاثة تخفيضات في أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي في دعم هذا الارتفاع. ومع ذلك، استمرت التوترات التجارية في التأثير على الأسواق، حيث جدد ترمب التهديدات بزيادة الرسوم على الصين في أكتوبر.

صراع ترمب مع الاحتياطي الفيدرالي

أثار تدخل الرئيس ترمب المباشر في محاولة الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لتخفيض أسعار الفائدة جدلاً واسعًا. لطالما حافظ الاحتياطي الفيدرالي على استقلاليته عن الحكومة، مما يسمح له باتخاذ قرارات صعبة ولكنها ضرورية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة يهدف إلى كبح التضخم، ولكنه في الوقت نفسه يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما يثير قلق السياسيين مع اقتراب الانتخابات. ومع استمرار التضخم في تجاوز هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، تبنى البنك المركزي نهجًا حذرًا في التثبيت حتى أغسطس، مما أثار غضب الرئيس ترمب الذي اعتبره عائقًا أمام طموحاته الاقتصادية. ورغم أن سياساته التجارية الحمائية كانت المحرك الرئيسي لمخاوف التضخم، إلا أنه انتقد الاحتياطي الفيدرالي علنًا.

تصاعد التوتر في يوليو عندما انتقد ترمب تكاليف تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي أمام الكاميرات، بينما اكتفى رئيس الاحتياطي جيروم باول بهز رأسه تعبيرًا عن استيائه. أثارت هذه الهجمات الشخصية مخاوف بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، خاصة مع اقتراب نهاية ولاية باول في مايو وارتفاع التوقعات باختيار خليفة أكثر توافقًا مع سياسات ترمب.

الأداء العالمي وتقلبات العملات الرقمية

لم يقتصر شعار “أمريكا أولاً” على الاقتصاد الأمريكي، حيث شهدت العديد من الأسواق العالمية أداءً أفضل من الأسهم الأمريكية. فقد حقق مؤشر “كوسبي” الكوري الجنوبي أعلى مستوى له في أكثر من عقدين بفضل طفرة التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي. كما سجلت اليابان مكاسب قوية للمرة الثالثة على التوالي، مدعومة بالاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وحزمة تحفيز بقيمة 135 مليار دولار. واستفادت الأسواق الأوروبية أيضًا من النمو، مدفوعة بخطط ألمانيا لزيادة الإنفاق على البنية التحتية والدفاع، وتخفيضات أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي.

وعلى الرغم من تقلباتها المعتادة، تمكنت العملات الرقمية من مفاجأة المستثمرين. شهدت البيتكوين انخفاضًا في بداية العام بسبب عزوف المستثمرين عن المخاطرة، ولكنها تعافت مع دعم البيت الأبيض والكونغرس للعملات الرقمية، وإطلاق مشاريع في هذا المجال من قبل عائلة ترمب. وصل سعر البيتكوين إلى حوالي 125000 دولار في أكتوبر، ثم انخفض بسرعة إلى حوالي 89400 دولار، متراجعًا بنسبة 28% عن ذروته وبنسبة 4% عن مستواه في بداية العام.

نظرة إلى الأمام: توقعات عام 2026

يتوقع العديد من المستثمرين استمرار المكاسب في عام 2026، مع توقعات باستمرار النمو الاقتصادي وتجنب الركود، مما سيدعم أرباح الشركات الأمريكية. تشير تقديرات محللي “فاكت ست” إلى نمو أرباح السهم لشركات “ستاندرد آند بورز 500” بنسبة 14.5% في عام 2026، مقارنة بنسبة 12.1% في عام 2025.

ومع ذلك، لا تزال هناك بعض المخاوف، خاصة فيما يتعلق بما إذا كانت الاستثمارات الضخمة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ستؤدي إلى أرباح حقيقية ومستدامة. كما أن تقييمات الأسهم المرتفعة نسبيًا قد تحد من المكاسب المستقبلية، حيث تتوقع “فانغارد” عوائد سنوية تتراوح بين 3.5% و 5.5% على مدى العقد المقبل. وتشير “سافيتا سوبرامانيان” من بنك “أوف أميركا” إلى أن مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” قد يشهد نموًا أقل من نصف نمو الأرباح في عام 2026، بسبب انخفاض عمليات إعادة شراء الأسهم وتراجع تخفيضات أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية العالمية.

شاركها.