في عامٍ تداخلت فيه السياسة بالاقتصاد بشكل ملحوظ, أصبحت الرسوم الجمركية محوراً رئيسياً للتقلبات الاقتصادية في الولايات المتحدة والعالم. بدأت ملامح عام 2026 تتشكل وسط حالة من عدم اليقين, حيث أثرت هذه الرسوم على سلاسل الإمداد والتضخم والنمو الاقتصادي بشكل عام. وبينما تتبنى الإدارة الأميركية رؤية متفائلة, يراقب الخبراء عن كثب التطورات, متوقعين سيناريوهات مختلفة تتراوح بين الركود الخفيف والازدهار المحدود.
مع بداية العام الجديد, يبرز السؤال حول ما إذا كانت هذه التغيرات تعكس تحولاً اقتصادياً حقيقياً أم مجرد فترة اضطراب عابرة. وتتجه الأنظار نحو تأثير السياسات الحكومية, بما في ذلك الرسوم الجمركية, على كل من المستهلكين والشركات, فضلاً عن دور الابتكار التكنولوجي في تخفيف الضغوط الاقتصادية.
تأثير الرسوم الجمركية على الاقتصاد الأميركي في 2026
شهد عام 2025 تصعيداً ملحوظاً في تطبيق الرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من الواردات, بهدف حماية الصناعات المحلية وتعزيز الإنتاج الداخلي. إلا أن هذه الإجراءات أثارت جدلاً واسعاً حول تأثيراتها السلبية المحتملة على التجارة العالمية والنمو الاقتصادي.
وفقاً لتقارير البنك الدولي, ارتفعت الرسوم الجمركية بشكل كبير, مما أدى إلى زيادة تكاليف السلع المستوردة وانتقال جزء كبير من هذه التكاليف إلى المستهلكين. أظهرت تقديرات جامعة ييل أن هذه الزيادة ساهمت في رفع التضخم الأساسي بنحو 0.4 إلى 0.5 نقطة مئوية, وزادت التكلفة السنوية على الأسر الأميركية بحوالي 1100 دولار.
ورغم تحصيل إيرادات كبيرة من الرسوم, إلا أنها لم تصل إلى المستويات المتوقعة. ومع ذلك, ترى الإدارة الأميركية أن الأثر السلبي للرسوم قد يكون أقل حدة مما خشيته سابقاً, وتسعى إلى تعويض هذه الآثار من خلال تحفيز الاستثمار في القطاعات التكنولوجية والصناعية.
التضخم والإغلاق الحكومي
ظل التضخم أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الأميركي في عام 2025. ورغم تسجيل تباطؤ طفيف في مؤشر أسعار المستهلكين في بعض الأشهر, إلا أن الضغوط التضخمية الأساسية بقيت مرتفعة, مدفوعة بالرسوم الجمركية وزيادة الطلب على السلع والخدمات.
أضاف الإغلاق الحكومي الذي استمر لأكثر من شهر تعقيداً إضافياً على المشهد الاقتصادي. أدى تعليق عمل الموظفين الفيدراليين إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي ومعدلات الثقة, بالإضافة إلى تعطيل بعض الخدمات الحكومية الهامة. وقدَّرت الجهات المستقلة الخسائر الناجمة عن الإغلاق بمليارات الدولارات, مع تأثيرات سلبية خاصة على الولايات التي تعتمد بشكل كبير على الميزانية الفيدرالية.
سوق العمل والسياسات النقدية
على الرغم من المرونة الظاهرة في سوق العمل, بدأت تظهر بعض المؤشرات التي تشير إلى حالة من الهشاشة. ارتفع معدل البطالة بشكل طفيف, وفقدت بعض القطاعات وظائفها بسبب ضعف الطلب وتأثير الرسوم الجمركية. ومع ذلك, حافظت قطاعات أخرى, مثل الرعاية الصحية والتكنولوجيا, على نموها في التوظيف.
في مواجهة هذه التحديات, قام “الاحتياطي الفيدرالي” بخفض أسعار الفائدة في محاولة لتحفيز الاقتصاد وتشجيع الاستثمار. وقد لاقت هذه الخطوة انتقادات من بعض الأطراف التي اعتبرتها غير كافية لمواجهة التضخم وتقلبات الأسواق. وازدادت التوترات بين الرئيس جيروم باول وبين الإدارة الأميركية بشأن السياسة النقدية المناسبة.
الذكاء الاصطناعي وآفاق النمو المستقبلية
في خضم هذه التحديات, برز قطاع الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي. شهدت الاستثمارات في هذا القطاع طفرة كبيرة, مدفوعة بالتقدم التكنولوجي والطلب المتزايد على الحلول الذكية. وساهمت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية والابتكار في العديد من الصناعات.
ومع ذلك, لا تزال هناك تحديات تواجه تحقيق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي, بما في ذلك نقص الكفاءات المتخصصة والحاجة إلى تطوير أطر تنظيمية مناسبة. ويتوقع الخبراء أن يستمر هذا القطاع في النمو, وأن يلعب دوراً حاسماً في تشكيل مستقبل الاقتصاد الأميركي.
يعتمد مستقبل الاقتصاد الأميركي بشكل كبير على فعالية السياسات الحكومية وقدرة الشركات على التكيف مع التغيرات الجديدة. وتشير التوقعات إلى أن العام 2026 سيشهد استمراراً في حالة عدم اليقين, مع احتمال حدوث ركود اقتصادي خفيف أو تحقيق نمو محدود. وسيكون من المهم مراقبة تطورات التضخم وسوق العمل والتجارة العالمية, بالإضافة إلى التقدم المحرز في قطاع الذكاء الاصطناعي. من المتوقع أن يعلن الكونغرس عن مراجعة شاملة لسياسة الرسوم الجمركية بحلول نهاية الربع الأول من عام 2026, وهو ما قد يؤثر بشكل كبير على مسار الاقتصاد.
