في خضم التحديات الاقتصادية والسياسية المتزايدة، واجه البنك المركزي الأمريكي، أو “الاحتياطي الفيدرالي”، ضغوطاً غير مسبوقة من الرئيس السابق دونالد ترامب. وبينما كانت التهديدات العلنية تتردد، دارت معركة خفية خلف الكواليس للحفاظ على استقلالية البنك في اتخاذ القرارات النقدية، بما في ذلك تحديد أسعار الفائدة. هذا المقال يتناول تفاصيل تلك المواجهة وكيف تمكن “الاحتياطي الفيدرالي” من الصمود.
تزايدت الانتقادات العلنية من الرئيس ترامب للبنك المركزي، خاصةً فيما يتعلق بسياساته المتعلقة بأسعار الفائدة، والتي اعتبرها ترامب عائقاً أمام النمو الاقتصادي. وقد أدت هذه الضغوط إلى حالة من التوتر غير المسبوق بين البيت الأبيض والمؤسسة النقدية المستقلة.
خفايا المواجهة: كيف صمد «الاحتياطي الفيدرالي»؟
كشفت تقارير صحفية عن تفاصيل اجتماع سري عُقد في فيلادلفيا في ربيع هذا العام، حيث ناقش رؤساء البنوك الإقليمية التابعة للاحتياطي الفيدرالي خططاً لخفض عدد الموظفين بنسبة 10%. تهدف هذه الخطوة إلى التوافق مع جهود الإدارة لتقليص الإنفاق الحكومي، لكنها أثارت جدلاً داخلياً حول مدى التنازل عن استقلالية البنك.
اجتماع فيلادلفيا وخطة خفض الموظفين
أعرب أوستن غولزبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، عن تحفظاته بشأن خطة خفض الموظفين، محذراً من أن ذلك قد يفتح الباب أمام مزيد من المطالب من الإدارة الأمريكية. وفقاً لمصادر مطلعة، فقد كان النقاش حاداً، لكن قيادة الاحتياطي الفيدرالي اختارت في النهاية اتباع استراتيجية “ضبط النفس الاستراتيجي” لتجنب المواجهة المباشرة.
تُظهر هذه المناقشات كيف تعامل “الاحتياطي الفيدرالي” مع محاولات ترامب لإعادة هيكلة البنك المركزي والضغط لخفض أسعار الفائدة. كما تكشف عن خلافات داخلية حول أفضل طريقة للرد على الرئيس، مع ميل نحو تقديم تنازلات إدارية للحفاظ على الاستقلالية في مجال السياسة النقدية.
يقول ديفيد ويسل، مدير مركز “هاتشينز” للسياسات المالية والنقدية في معهد “بروكينغز”: “تصرف الاحتياطي الفيدرالي بحذر شديد، مثل ملاكم يراوغ في الحلبة، ولكنه ظل صامداً”.
ضغوط تاريخية على البنك المركزي
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها البنك المركزي ضغوطاً من الإدارة الأمريكية. ففي الماضي، مارس رؤساء مثل ريتشارد نيكسون وجورج بوش الأب ضغوطاً مماثلة لخفض أسعار الفائدة قبل الانتخابات. ومع ذلك، فإن تهديدات ترامب كانت أكثر حدة وعلنية من أي وقت مضى.
في مايو 2022، التقى الرئيس جو بايدن برئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، للتعبير عن قلقه بشأن التضخم، مع التأكيد على احترام استقلالية البنك. هذا يعكس الأعراف الراسخة التي تحكم العلاقة بين السلطة التنفيذية والبنك المركزي.
تهديدات ترمب غير المسبوقة
لم يكتف ترامب بالانتقادات اللفظية، بل لوح علناً بإمكانية إقالة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وطالب بتخفيضات حادة في أسعار الفائدة. كما سعى إلى اختبار حدود سلطته من خلال محاولة إقالة ليزا كوك، عضوة في مجلس الإدارة، على خلفية مزاعم قانونية.
تعتبر هذه المحاولات غير مسبوقة في العصر الحديث، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى تقويض استقلالية البنك المركزي. وتشكل قضية ليزا كوك اختباراً حاسماً لمدى قدرة البنك على الدفاع عن نفسه ضد التدخل السياسي.
من المقرر أن تنظر المحكمة العليا في قضية كوك الشهر المقبل، بعد أن سمحت لها بالبقاء في منصبها ريثما تُبت القضية. وينفي كوك ارتكاب أي مخالفات.
موقف الاحتياطي الفيدرالي والبيت الأبيض
اتبع جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، استراتيجية التزام الصمت، متجنباً التعليق المباشر على تصريحات ترامب. وفي 10 ديسمبر، رفض باول الإجابة على سؤال حول حكم المحكمة العليا في قضية كوك، قائلاً: “لسنا محللين قانونيين، والقضية معروضة أمام المحاكم”.
وعند التعليق، اكتفى البيت الأبيض بالقول إن التضخم يتباطأ وأن الظروف مواتية لمزيد من خفض أسعار الفائدة.
الخلاصة: مستقبل الاستقلالية
على الرغم من التحديات، تمكن “الاحتياطي الفيدرالي” من الحفاظ على استقلاليته في تحديد أسعار الفائدة، وهو الأمر الذي يعتبر حيوياً لضمان استقرار الاقتصاد. ومع ذلك، فإن التنازلات الإدارية التي قدمها البنك قد أثارت مخاوف بشأن مدى التزامه بالاستقلالية على المدى الطويل.
من المتوقع أن يكون حكم المحكمة العليا في قضية ليزا كوك حاسماً في تحديد مستقبل العلاقة بين البنك المركزي والإدارة الأمريكية. وسيكون من المهم مراقبة رد فعل الإدارة على هذا الحكم، وما إذا كانت ستستمر في محاولات تقويض استقلالية البنك. كما يجب متابعة تطورات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، وتقييم مدى تأثير الضغوط السياسية على قراراته.
