في عام 1945، وعلى متن البارجة الأميركية “كوينسي”، وُلد تحالف تاريخي غيّر وجه العالم. كان لقاء الملك عبد العزيز آل سعود بالرئيس فرانكلين روزفلت بداية شراكة نفطية، وولادة تحالف سعودي – أميركي أعاد تشكيل خريطة الطاقة الدولية. اليوم، يشهد هذا التحالف الاستراتيجي تطوراً جديداً، مع التركيز على قطاع حيوي يحدد مستقبل الاقتصاد العالمي: **الرقائق الإلكترونية**. زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى واشنطن تمثل انطلاقة عصر جديد من التعاون التقني بين البلدين.

تجسدت هذه التحولات خلال لقاء ولي العهد بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث تصدرت مناقشات الرقائق الإلكترونية أجندة اللقاء، متجاوزةً الملفات التقليدية كالأمن والطاقة. هذا التحول يعكس الدور المحوري الذي تلعبه هذه المكونات الدقيقة في تشكيل عالمنا التقني، وأهميتها المتزايدة في تحديد القوة الاقتصادية والسيادية للدول.

الرقائق الإلكترونية: نفط العصر الجديد

أصبحت أشباه الموصلات، أو **الرقائق الإلكترونية**، أساس كل تقنية تعتمد عليها الحياة المعاصرة. فهي المحرك الخفي للهواتف الذكية، والسيارات، والطائرات، والأجهزة الطبية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي. لا يمكن لأي جهاز إلكتروني حديث أن يعمل بدونها. وقد تجلى هذا الاعتماد بشكل واضح خلال جائحة كوفيد-19، حيث أدى النقص في إمدادات الرقائق إلى تعطيل خطوط إنتاج السيارات العالمية.

على الرغم من صغر حجمها، إلا أن الرقائق الإلكترونية تحمل قوة هائلة. على سبيل المثال، يحتوي معالج A19 الأحدث من شركة آبل على ما بين 25 و30 مليار ترانزستور مصنعة بتقنية 3 نانومتر. هذا التقدم التكنولوجي جعل شركات أشباه الموصلات مثل إنفيديا (Nvidia) و TSMC و برودكوم (Broadcom) من بين الشركات الأكثر قيمة في العالم.

أدى التسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى زيادة الطلب على الرقائق الإلكترونية المتقدمة، مثل وحدات المعالجة الرسومية (GPUs). أصبحت هذه الرقائق أصولاً وطنية استراتيجية، مما دفع الحكومات حول العالم إلى تأمين سلاسل الإمداد وتوطين الإنتاج.

أهمية الطاقة في عصر الرقائق

لا يقتصر الأمر على إنتاج الرقائق، بل يتعلق أيضاً بتوفير الطاقة اللازمة لتشغيلها. يتطلب تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة. وهنا تبرز الميزة التنافسية للمملكة العربية السعودية، بفضل مواردها النفطية التي يمكن تحويلها إلى كهرباء موثوقة ومنخفضة التكلفة.

لم يعد دور المملكة مقتصراً على تصدير الطاقة، بل يمتد ليشمل تمكين القدرة الحاسوبية التي تقوم عليها اقتصاديات المستقبل. تُظهر الدراسات أن توليد رد واحد من الذكاء الاصطناعي قد يستهلك طاقة تعادل شحن هاتف ذكي. مع نمو أحمال الذكاء الاصطناعي، أصبح السؤال المحوري: كم تبلغ تكلفة حوسبة رمز واحد للذكاء الاصطناعي؟

التحالف السعودي – الأمريكي: رؤية مستقبلية

تأتي الشراكات التقنية الأخيرة بين المملكة وكبرى الشركات الأميركية في إطار سعي الولايات المتحدة لتأمين سلاسل الإمداد الخاصة بالرقائق الإلكترونية. توفر السعودية بيئة استثمارية جاذبة، وتكلفة طاقة منخفضة، وتحالفاً استراتيجياً طويل الأمد مع الولايات المتحدة.

شهدت المملكة مؤخراً استثمارات كبيرة من شركات مثل كوالكوم (Qualcomm)، وإتش بي إي (HPE)، وإيه إم دي (AMD)، وأمازون ويب سيرفيسز (AWS)، وإنتل (Intel)، وإنفيديا (Nvidia)، وسوبرمايكرو (Supermicro)، بهدف بناء مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي. وقد أسفرت زيارة ولي العهد عن اتفاقيات تاريخية، بما في ذلك موافقة الولايات المتحدة على تصدير 35 ألف وحدة معالجة رسومية متقدمة (GPUs) إلى المملكة، واستثمارات سعودية في قطاع أشباه الموصلات بقيمة 50 مليار دولار.

يمثل هذا التحول نقطة تحول في العلاقة بين البلدين، حيث ينتقل التعاون من التركيز على الطاقة إلى بناء الأساس التكنولوجي الذي سيحدد معالم القيادة العالمية في المستقبل. تستهدف المملكة من خلال هذه الشراكات توطين صناعة **الرقائق الإلكترونية**، وتطوير رأس المال البشري، واستقطاب الكفاءات التقنية العالمية.

من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة تفاصيل إضافية حول خطط التنفيذ لهذه الاتفاقيات، بما في ذلك تحديد المواقع المحتملة لمراكز البيانات الجديدة، وجداول زمنية لبدء الإنتاج، وبرامج التدريب والتأهيل. يبقى من المهم مراقبة التطورات الجيوسياسية، والتغيرات في السياسات التجارية، والتقدم التكنولوجي السريع، لتقييم التأثير الكامل لهذا التحالف الاستراتيجي على مستقبل صناعة أشباه الموصلات والاقتصاد العالمي.

شاركها.