على الرغم من الاستثمارات الضخمة والاهتمام المتزايد، لا يزال تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة إنتاجية واسعة النطاق يمثل تحدياً كبيراً في المنطقة. فبينما تتوفر العديد من المشاريع التجريبية، تفتقر المؤسسات والقطاعات الحكومية إلى البنية التحتية المتكاملة والآليات الموثوقة لتوسيع نطاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتأمينها وحوكمتها بشكل فعال. هذا الواقع يدفع نحو إعادة التفكير في كيفية بناء وتطوير هذه التكنولوجيا.

لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان يجب تبني الذكاء الاصطناعي، بل كيف يمكن بناء هذه القدرات بشكل استراتيجي ومستدام. يرى خبراء أن التركيز يجب أن ينصب على إنشاء بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي، بدلاً من اعتباره مجرد مجموعة من الأدوات التقنية المنفصلة.

من التجارب إلى البنية التحتية الوطنية للذكاء الاصطناعي

تعتبر شركة “ماغنا إيه آي” (Magna AI) نفسها نموذجاً لهذا التحول، حيث تقدم نفسها كأول “مصنع تحول بالذكاء الاصطناعي عبر سلسلة القيمة الكاملة” في العالم. يهدف هذا النموذج إلى توحيد عناصر الذكاء الاصطناعي المختلفة – الحوسبة، البيانات، النماذج، والأتمتة – ضمن منصة تشغيلية متكاملة.

ويرى الدكتور معتز بن علي، الرئيس التنفيذي للشركة، أن المشكلة الرئيسية تكمن في التجزئة. فغالباً ما تعتمد المؤسسات على مزودي خدمات مختلفين لكل عنصر من عناصر الذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى صعوبة في التنفيذ والتكامل والحوكمة. يقول بن علي أن تأسيس شركته جاء لمحاولة إغلاق هذه الفجوة.

تعتمد “ماغنا إيه آي” على ما تسميه “الهندسة الميدانية”، حيث تعمل فرقها مباشرة داخل الوزارات والمؤسسات لربط الذكاء الاصطناعي بالمهام الفعلية والسياسات والأولويات الوطنية. هذا النهج يضمن دمج عناصر السيادة والأمن منذ البداية، مما يتيح للحكومات التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون فقدان السيطرة أو المساس بالامتثال التنظيمي.

السيادة والابتكار: شراكة عالمية مع رؤية محلية

غالباً ما يُنظر إلى مفهوم سيادة الذكاء الاصطناعي على أنه يعني الانغلاق التكنولوجي، وهو ما يرفضه بن علي. ويؤكد أن السيادة والابتكار العالمي يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب. تتعاون “ماغنا إيه آي” مع شركات عالمية رائدة مثل “إنفيديا” (NVIDIA) و”وسترون ديجيتال تكنولوجي” (Western Digital Technology) للاستفادة من أحدث التقنيات في مجال الحوسبة والبنية التحتية.

ومع ذلك، فإن الأهم هو كيفية نشر هذه التقنيات. تُغلَّف الابتكارات العالمية ضمن “بنية جاهزة للسيادة”، مما يمنح العملاء القدرة على تحديد مكان تخزين البيانات، وطريقة نشر النماذج، والبيئات المستخدمة. توطين البيانات وضبط الوصول والامتثال للتشريعات المحلية كلها مصممة ضمن المنصة منذ البداية.

التحول الصناعي المدعوم بالذكاء الاصطناعي

يتجلى هذا التوجه بوضوح في استراتيجية “ماغنا إيه آي” الصناعية، والتي تشمل تحالفاً بقيمة 1.1 مليار ريال سعودي مع “تكنوفال” (TechnoVal). يهدف هذا التحالف إلى إنشاء أول مركز بيانات صناعي جاهز للذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية.

يركز هذا المشروع على تلبية احتياجات التصنيع وسلاسل الإمداد، حيث تسعى المصانع إلى زيادة الكفاءة والمرونة والاستدامة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دوراً حاسماً في تحقيق هذه الأهداف من خلال الصيانة التنبؤية، وتحليلات الجودة، والتخطيط الذكي، وإدارة المخزون.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسن اللوجستيات من خلال توقع دقيق للطلب، وتحسين المسارات، ورصد المخاطر عبر الحدود. كل ذلك يتم ضمن أطر تنظيمية وأمنية وطنية، مما يسمح بتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع محلياً.

بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي

لا يقتصر دور “ماغنا إيه آي” على توفير التكنولوجيا، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تشمل تطوير المهارات والكفاءات المحلية. تركز الشركة على تدريب الكوادر الوطنية وتمكينها من قيادة عملية التحول الرقمي في مختلف القطاعات.

كما تتبنى الشركة تعريفاً إقليمياً للذكاء الاصطناعي المسؤول، والذي يراعي الخصوصيات التنظيمية والثقافية والأمنية للمنطقة. ويشمل ذلك ضمان سيادة البيانات، وأمن الأنظمة، والامتثال للتشريعات المحلية، والرقابة البشرية على التطبيقات عالية التأثير.

تستهدف “ماغنا إيه آي” توليد أكثر من 10 مليارات دولار من القيمة الاقتصادية، وهو ما يعكس الأثر الوطني والمؤسسي للشركة. ويشمل ذلك زيادة الإنتاجية، وخفض التكاليف، وتحسين إدارة المخاطر، وخلق فرص عمل جديدة.

في السنوات الخمس المقبلة، يتوقع بن علي تحولاً جذرياً في طريقة بناء وتطوير الذكاء الاصطناعي في المنطقة، مع انتقال المؤسسات الحكومية والخاصة نحو إنشاء “مصانع ذكاء اصطناعي” خاصة بها. هذه المصانع ستكون بمثابة منصات دائمة لتطوير ونشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما سيعزز القدرات المحلية ويساهم في تحقيق التنمية المستدامة. يبقى التحدي الأكبر في ضمان توفر الكفاءات والمهارات اللازمة لتشغيل هذه المصانع بكفاءة وفعالية، بالإضافة إلى تطوير أطر تنظيمية وقانونية واضحة تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول.

شاركها.